بيت اهلى حكايات رومانى مكرم٢

مسكت الموبايل، صوابعي كانت بتترعش مش من الخوف، لأ.. من كمية الغل اللي اتجمع في قلبي طول التسع شهور دول. فتحت سجل المكالمات، ولقيت رقم “الأستاذ كمال”، المحامي اللي الكل في المنطقة بيقول عليه “صياد الثغرات”. هو ده اللي هيدور في أوراقي، هو ده اللي هيعرف إزاي يربط خيوط اللعبة اللي محمود وأمه لعبوها.

قبل ما أرن عليه، بصيت للصورة اللي كنت مصوراها للدرج.. عينيا زغللت من كتر ما دققت فيها. فجأة، في تفصيلة تانية وقعت تحت إيدي، حاجة مكنتش واخدة بالي منها قبل كده. في ركن الدرج، كانت باينة “قصاصة ورق” مكتوب عليها بخط إيد حماتي “ميعاد القسط بتاع الدهب”.

يا نهار أبيض! يعني السرقة دي ما كانتش بس عشان يتخلصوا مني، ده كان فيه ديون ومحمود كان بيحاول يغطي على قساطته بأي طريقة.. حتى لو ببيع دهبي وتلفيق التهمة ليا.

رنيت على الأستاذ كمال، ورن مرة واتنين، وبعدين رد بصوت خشن: “ألو.. مين معايا في الوقت المتأخر ده؟”

صوتي طلع واثق وقوي، لأول مرة من زمان: “معاك سمر يا أستاذ كمال. سمر اللي محمود ابن الحاجة فلانة طردها.. ومحتاجة حقها اللي ضاع.”

سكت شوية وقال بلهجة اهتمام: “أهلاً يا بنتي.. فاكر القضية، بس إحنا قفلنا الموضوع ده من شهور، قلتي مفيش معاكي دلايل.”

قلت له وأنا عيني على الورقة اللي في الصورة: “الدليل كان موجود طول الوقت قدامي يا أستاذ كمال، بس أنا اللي كنت مغيبة بالصدمة. أنا معايا دلوقتي خيوط تثبت إن اللي حصل ‘تمثيلية’ مش سرقة.. ومستعدة أدفع كل اللي ورايا واللي قدامي عشان عيالي يرجعوا في حضني، حتى لو هحارب البيت كله.”

سمعت تنهيدة طويلة منه، وقال: “بكره الساعة 10 الصبح تكوني عندي في المكتب. لو اللي بتقوليه ده حقيقي، هنقلب الطاولة عليهم كلهم، ومحمود ده لو نزل مصر تاني، هيندم على اليوم اللي فكر فيه يظلمك.”

قفلت معاه، وحسيت إني أخيراً بدأت أتنفس. طلعت للصالة، لقيت أبويا لسه قاعد مكانه، باصص للأرض بحزن. قعدت جنبه، مسكت إيده وقلت له: “يا بابا، انسى العريس اللي جاي ده. أنا قررت، بكره هبدأ حربي لاسترداد عيالي وحقي. مش هسيب ولادي يتذلوا زي ما اتذلت، ومش هسمح لمراته الجديدة -لو اتجوز- إنه يربيهم بفلوسي وبحقي.”

أبويا رفع عينه فيا، لأول مرة شفت لمعة فخر في عينيه. مسح دموعه وقال: “كنت مستني اللحظة دي يا سمر.. كنت عارف إن فيكي حتة قوية، بس كنت خايف عليكي من وجع المعارك. توكلي على الله، وإحنا وراكي.”

دخلت أوضتي، شلت صورة عيالي اللي كنت حاطاها تحت المخدة، وبصيت فيها بتركيز: “يا حبايبي، ماما مش هتسكت.. ماما راجعة تاخدكم من نص دايرة الغدر اللي اتحطيتوا فيها.”

نمت ليلتها لأول مرة من شهور من غير كوابيس، أو بالأصح، الكابوس اتحول لخطة، والخطة بقت هدفي.. ومحمود؟ محمود كان نايم في الكويت، فاكر إنه كسب الجولة، وهو ما يعرفش إنه لسه ما شافش “سمر” الحقيقية، سمر اللي قررت إنها لو هتتحرق، هتحرق كل اللي داسوا على قلبها.

بكره الصبح، المعركة الحقيقية هتبدأ.. وما حدش هيقدر يوقفني.

لساعة 10 الصبح، كنت في مكتب الأستاذ كمال. المكتب كان مليان ورق وريحة سجاير قديمة، بس بالنسبة لي كان ده “ميدان المعركة”. حطيت الموبايل قدامه، وفتحت الصور، وطلعت “النوتة” اللي سجلت فيها كل حركة، وكل ميعاد، وكل قسط كان محمود بيسدده.

الأستاذ كمال بيمر بعينيه على الصور، وبدأ يقطب حواجبه. اتعدل في قعدته وقال بصوت حازم: “بصي يا سمر.. اللي إنتي بتقوليه ده لو مسكنا طرفه صح، ممكن نلبسهم قضية ‘بلاغ كاذب’ و’تلفيق تهمة’، وده كفيل يخلي محمود يرجع من الكويت يجري عشان يلم الدور قبل ما يتسجن.”

قلت له بلهفة: “أنا مش عايزة سجنه بس يا أستاذ كمال.. أنا عايزة عيالي. عايزة حضانة عيالي تكون معايا بقوة القانون، وأضمن نفقتهم اللي بقالي شهور مش عارفة أجيب لهم رغيف عيش بسبب طمعهم.”

بص لي بجدية وقال: “بصي، إحنا هنمشي في طريقين؛ طريق الرؤية والحضانة، وطريق إثبات إن السرقة دي كانت ‘تمثيلية’ للتخلص منك. بس خلي بالك، بمجرد ما نفتح المحضر ده، البيت كله هيتقلب.. حماتك هتحاول تضغط عليكي، ومحمود ممكن يبعت حد من قرايبه يهددك عشان تتنازلي. إنتي قد المواجهة دي؟”

رجعت بظهري لورا، واتنهدت نفس عميق. افتكرت صرخة عيالي وهما بيتشدوا مني يوم الطرد، افتكرت نظرة العجز في عين أمي، وافتكرت ريحته هو وأهله اللي كانوا فاكرين إني ضعيفة وهتتكسر.

قلت له: “أنا بقالي 9 شهور عايشة في ‘الموت’، مفيش حاجة تانية ممكن توجعني أكتر من اللي شوفته. أنا مستعدة لكل حاجة.”

بدأنا نكتب المحضر، وطلعت معايا “المفاجأة”. افتكرت إن محمود كان باعت رسالة واتساب لصاحب ليه -كنت شفتها بالصدفة لما ساب الموبايل مفتوح مرة- بيتكلم فيها عن “ديون عليه” وإن “لازم يخلص من اللي وراه عشان يعرف يسافر”. رغم إنه مسحها، بس المحامي قالي إننا ممكن نخاطب “مباحث الإنترنت” عشان نسترجع سجل الرسائل ده، ده لو كان لسه فيه أثر.

خرجت من المكتب وأنا حاسة إن الأرض بدأت تميل تحت رجلي، بس كانت ميلة مختلفة.. ميلة قوة مش ضعف. وأنا مروحة، تليفوني رن. كان رقم غريب.. رديت بقلب مقبوض.

صوت حماتي جه من الناحية التانية، نبرة مش مطمنة أبداً: “سمر؟ يا بنتي، الخبر وصلني إنك روحتي لمحامي.. عايزة تخربي بيتك أكتر؟ عايزة تفضحينا؟ اسمعي، العريس اللي جالك ده لقطة، وافقي عليه، والعيال هيبقوا في بيت أبوهم، وأنا هضمن لك إنك تشوفيهم.. متكبريش المسألة.”

حسيت بدمي بيغلي، بس مسكت أعصابي. ضحكت ضحكة باردة وقلت لها: “البيت اللي بتكلميني عنه ده يا حماتي اتخرب من يوم ما سرقتوا شقايا ورميتوني في الشارع. العريس اللي بتتكلمي عنه ده هو طوق النجاة اللي إنتي عايزاني ألبسه عشان أتنازل عن عيالي.. بس أنا مش هتنازل. اللي بينا دلوقتي مش عواطف، اللي بينا قانون.. ومحاضر، وأوراق. حضري نفسك، لأن الدور جه عليكي أنتي ومحمود.”

قفلت في وشها قبل ما تنطق بكلمة تانية. رميت الموبايل في شنطتي، وبصيت للسما.

المعركة بدأت بجد.. ومحمود، اللي فاكر إنه هيرجع يلاقي حياته مرسومة زي ما هو عايز، هيتصدم لما يرجع يلاقي “سمر” اللي طردها، وقفت تاني.. وبقوة أكبر.

بعد ما قفلت في وش حماتي، حسيت إني أخيراً “عتق” روحي من سلطان الخوف. الرعشة اللي كانت في إيدي اختفت، وبدأت أمشي في الشارع بخطوات تقيلة، مش مكسورة، لأ، خطوات حد واخد قرار ومش راجع فيه.

وصلت البيت، لقيت أبويا وأمي قاعدين في الصالة، باصين لبعض بقلق. أول ما دخلت، سكتوا، وعيونهم اتعلقت بوشي، بيدوروا على إجابة.

قلت لهم وأنا بفك طرحتي: “خلاص يا جماعة.. الحرب بدأت. كلمت المحامي، والمحضر هيتحرك، وهما دلوقتي عرفوا إني مش نايمة على ودني.”

أمي قامت جريت عليا، حضنتني ودموعها نزلت: “يا بنتي خايفة عليكي.. ناس زي دول ميعرفوش ربنا، ممكن يعملوا أي حاجة عشان يغطوا على فضيحتهم.”

ابتسمت لها بمرارة: “يا أمي، هما فعلاً عملوا اللي في وسعهم، كسروني، طردوني، وسرقوا حقي.. إيه تاني ممكن يعملوه؟ الموت أهون من اللي أنا فيه. أنا مش هسكت على حقي، وعيالي مش هيبقوا ورقة ضغط في إيدهم.”

مرت يومين، كانت الأعصاب فيهم مشدودة كأننا مستنيين انفجار. في اليوم التالت، الباب خبط. مش خبطة المعتاد، دي كانت خبطة “قوة”. فتحت الباب، لقيت “شقيقة محمود” ومعاها راجل غريب، باين عليه إنه “وسيط” من العيلة الكبيرة اللي هما بيعملوا لها ألف حساب.

دخلوا وقعدوا في الصالة، والجو كان مشحون. شقيقة محمود بصت لي بنظرة استعلاء، وقالت: “إيه اللي إنتي بتعمليه ده يا سمر؟ وصلتي بينا للمحاكم؟ فاكرة إنك لما تعملي محضر هتخسرينا؟ ده إحنا نضيعك، ونخلي سمعتك في الأرض، ومحمود لو عرف إنك بتسوينا بالتراب، هيجيلك يوريكي مين هي سمر ومين هما أهله.”

بصيت لها ببرود، وقلت لها: “السمعة اللي خايفة عليها دي إنتي وأمك اللي دستوا عليها يوم ما اتهمتوني بالسرقة. ومحمود.. خليه يجي، أنا مستنياه، ومستنية المحضر اللي هيتفتح فيه ملف السرقة والديون اللي هو غرقان فيها قبل ما يسافر.”

الوسيط اتدخل وقال بصوت هادي ومسموم: “يا ست سمر، خلينا بالعقل. محمود بعت كلمنا، بيقولك ارجعي، والولاد محتاجين أمهم، والبيت مفتوح ليكي.. بس بشرط، تتنازلي عن أي كلام في موضوع السرقة ده، وتقفلي المحاضر.”

ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلتهم يتخضوا: “ارجع؟ ارجع عشان يكملوا تمثيلية؟ ارجع عشان يكملوا سرقة؟ لا يا أخويا.. أنا عرفت اللعبة، وعرفت إن السرقة دي كانت ‘خطة إنقاذ’ لمحمود. أنا مش هرجع، أنا عايزة ‘حضنتي’، وعايزة ‘حقوقي الشرعية’ اللي القانون بيضمنهالي.”

شقيقة محمود قامت وقفت، ووشها احمر من الغضب: “إنتي طالق يا سمر، يعني ملكيش مكان عندنا! والولاد دول من صلب محمود، يعني لينا الحق فيهم.”

قمت وقفت قدامها، وطولي كله كان بيعلن التحدي: “القانون بيقول الأم أولى بحضانة ولادها، وده اللي هيحصل. ولو فاكرين إنكم هتهددوني عشان أتنازل، فأنتم واهمين. أنا بكرة هروح المحكمة، وهقدم المستندات، وهتشوفوا سمر اللي مكنتوش عارفينها.”

خرجوا من البيت والشر في عينيهم، بس أنا كنت حاسة بنصر صغير.. لأول مرة، هما اللي جولي، هما اللي قلقوا، هما اللي حسوا إن الأرض بدأت تتسحب من تحتهم.

دخلت أوضتي، وفتحت كراستي تاني.. كتبت صفحة جديدة. “المواجهة الأولى كسبتها بالثبات.. الدور الجاي، هو مواجهة محمود بالقانون.”

طلعت صورة عيالي، وبصيت فيها: “قربنا يا حبايبي.. قربنا نرجع لبعض.”

 

المواجهة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير بالنسبة لهم، بس أنا كنت عارفة إنهم مش هيسكتوا. فضلت أيام متواصلة ما بين المحكمة ومكتب الأستاذ كمال، كان كل همي الورق، الإثباتات، والتواريخ. قدرت أوصل لشهادة من واحد من الجيران كان شاف “عربية نقل” صغيرة واقفة قدام البيت يوم الواقعة، ونقلت حاجات بالليل، يعني السرقة كانت “ترحيل” مش سرقة.

بعد أسبوعين من الصراع، جاتلي مكالمة من “محمود” نفسه من الكويت. كان صوته مرعوب ومخبيه ورا قناع الغضب.

“أنتِ فاكرة إنك هتقدري تحبسينا؟ إنتي بتلعبي بالنار يا سمر!”

رديت عليه بكل هدوء وثبات: “النار اللي حرقت بيتي ورمتني في الشارع هي اللي بتحرقك دلوقتي يا محمود. أنا مش طالبة أكتر من حقي وعيالي. لو عايز تنهي المهزلة دي وتمنع الفضيحة، العيال يرجعوا لحضني، وحقي المادي يرجع، وتتعهد قدام المحكمة بحقوقهم.”

سكت فترة طويلة، كان بيحاول يجمع شتات نفسه. هو كان عارف إن “سمر” اللي يعرفها انتهت، وإن “سمر” اللي قدامه دلوقتي وراها قانون وأوراق ومستندات مش هتسيبها.

في جلسة المحكمة الحاسمة، حضر محامي العيلة، وكان بيحاول يلف ويدور، بس الأستاذ كمال كان جاهز. قدمنا المستندات، شهادة الجار، وتاريخ الديون اللي كان محمود بيسددها في نفس توقيت “السرقة”. القاضي طلب “تحريات المباحث” بشكل عاجل، وهنا الرعب سكن قلوبهم.

بعد كام يوم، وصلني خبر إن محمود قرر يرجع مصر. خاف إن الموضوع يكبر وتوصل لبلاغ دولي أو تجميد لمستحقاته هناك. لما رجع، كان زي “الكسير”. قابلته في بيت أهلي، وكنت قاعدة ومعايا أهلي والمحامي.

ما نطقش ولا كلمة، بس كانت عينه بتبص للأرض. حماتي اللي كانت ديماً “صوتها عالي”، كانت قاعدة بتفرك في إيديها بخوف.

قلت لهم ببرود: “أنا مش عايزة منكم حاجة غير ولادي. العيال، ونفقتهم، وحقي اللي اتسرق، يرجع.”

في النهاية، وبضغط من الخوف من السجن والفضيحة اللي كانت هتطول كل واحد فيهم، وقعوا على كل طلباتي. العيال رجعوا لي، والبيت اللي كنت طالعة منه “مطرودة”، خرجت منه “منتصرة”.

أخدت عيالي، ورجعت بيت أهلي، مش عشان نفضل عالة، لكن عشان أبدأ حياتي من جديد. محمود طلقني رسمياً -وهو اللي خسر، مش أنا- وأنا بدأت أدور على شغل، وبدأت أكتب.. كتبت قصتي وقصص تانية كتير، ولقيت إن قلمي هو السلاح اللي مفيش حد يقدر يسرقه مني.

أنا دلوقتي قاعدة، عيالي حواليا، بيضحكوا وبيلعبوا، ومحمود بقى صفحة مقطوعة من كتاب حياتي. اتعلمت إن “الستر” مش معناه إنك تسكتي على الظلم، لكن الستر هو إنك تحمي كرامتك وتجيبي حقك.

أنا سمر.. اللي اتكسرت مرة، وقامت ألف مرة.. واللي رجعت عيالها بحضنها، وكتبت نهايتها بإيديها، نهاية مليانة كرامة، مش دموع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *