متجوز بقلم روماني
أنا متجوز واحدة شكلها عادي يعني مش وحشة، بس مش جميلة قوي.
بشوف بنات في الشارع بجمال عالي وببقى مبهور، ولما بدخل البيت بلاقي قدامي واحدة عادية خالص.
هي بصراحة طيبة ودمها خفيف وحنينة معايا، بس برضه أنا راجل وبحب أشوف الجمال قدامي والشكل الحلو.
في الأول أنا اللي اخترتها وكنت مقتنع بيها، بس دلوقتي بقيت ندمان.
أنا متجوز ريم بقالنا أربع سنين.
لو حد شافها في الشارع، غالبًا مش هيلف يبص لها مرتين. ملامحها هادية، جسمها عادي، ولبسها بسيط جدًا لدرجة إن أمي كانت دايمًا تقول لي بنبرة فيها خنقة إنت كنت تقدر تتجوز أحلى من كده بمراحل يا كريم.
ويمكن المشكلة إني كنت مقتنع بالعكس زمان.
لما اتعرفت على ريم، كنت شايفها مختلفة بنت مريحة، صوتها واطي، بتضحك من قلبها، وعمرها ما عملت معايا مشكلة. كنت برجع من الشغل ألاقي الأكل جاهز، هدومي متكوية، والبيت ريحته نضيفة. كنت حاسس إني كسبت راحة البال.
حكايات رومانى مكرم
بس مع الوقت بدأت أبص بره.
كل يوم وأنا رايح الشغل، أشوف بنات جمالهم ملفت. شعر مصبوغ، ميكب متقن، جسم متناسق، ضحكة تشد. وأرجع البيت ألاقي ريم قاعدة على الكنبة ببيجامة قطن وشعرها مربوط بأي كلام وهي بتقولي جعان؟ أعملك شاي؟
وبدأت أحس بإحساس قذر إني مخنوق.
في الأول كنت بكتم الموضوع، وأقول لنفسي الجمال مش كل حاجة.
لكن الحقيقة؟ كان فارق معايا جدًا.
لحد ما في يوم، وأنا قاعد مع صحابي في الكافيه، صاحبي حسام شاور على بنت داخلة وقال دي لو تبصلي بس أبيع عمري.
ضحكنا كلنا. لكن بعدها بص لي فجأة وقال إنت يا كريم ظلمت نفسك بصراحة.
سكت.
قال وهو بيشرب القهوة مراتك محترمة آه بس إنت لسه صغير. المفروض تبقى مع واحدة لما تمشي معاها الناس تبصلك.
الكلمة دخلت جوايا زي السكينة.
رجعت البيت يومها
متضايق بشكل غريب. فتحت الباب، لقيت ريم جايبة أكلة بحبها، وعاملة مفاجأة عشان ذكرى جوازنا.
كانت لابسة فستان أزرق بسيط جدًا بس أول حاجة فكرت فيها وأنا ببصلها هي ليه مش حلوة؟
والفكرة دي ماخرجتش من دماغي بعدها.
بعدها بأسابيع، بدأ يحصل تغيير جوايا.
بقيت أتجنب أبصلها وهي بتتكلم. أي خروجة معاها كنت بحس بإحراج غريب. ولو دخلنا مكان فيه ستات أجمل منها، أفضل ساكت ومتوتر.
ريم بدأت تاخد بالها.
في مرة وإحنا بنتعشى قالت بهدوء إنت مبقتش تشوفني صح؟
رفعت عيني باستغراب يعني إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة وقالت زمان كنت تبصلي كأني أحلى واحدة في الدنيا دلوقتي حتى وإنت بتكلمني عينك بتكون في أي حتة غيري.
اتوترت وقلت بعصبية إنتِ مكبرة المواضيع.
سكتت لكن عينيها كانت مليانة وجع.
ومن يومها، بدأت تحاول تتغير.
بقت تروح الجيم. تتعلم ميكب من الفيديوهات. تشتري هدوم جديدة. حتى شعرها غيرت لونه لأول مرة.
وأنا؟ ولا حاجة كانت بتكفيني.
لأن المشكلة مكانتش فيها المشكلة إن عيني بقت مدمنة المقارنة.
وفي يوم قلب كل حاجة
كنت في الشغل، والشركة جابت موظفة جديدة اسمها لارا.
أول ما دخلت المكتب، المكان كله سكت لحظة. كانت جميلة بشكل مبالغ فيه. ريحة برفانها تسبقها، وطريقتها في الكلام تخلي أي راجل ينتبه.
ومن أول أسبوع بدأت تكلمني كتير.
وفي ليلة كنت واقف في المطبخ أشرب مية، لقيت ريم داخلة عليّ بهدوء.
كانت لابسة فستان جديد، وحاطة ميكب خفيف. واضح إنها حاولت تبقى حلوة عشاني.
بصت لي بتوتر وقالت إيه رأيك؟
بصيت لها ثانيتين ثم قلت ببرود عادي.
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة.
شافتها بعيني.
لكن اللي صدمني إنها ما اتكلمتش.
فقط هزت رأسها، وابتسمت ابتسامة باهتة، ومشت.
وفي نفس الليلة صحيت من النوم على صوت مكتوم.
قمت لقيتها قاعدة في الصالة لوحدها بتعيط بصمت.
أول مرة أشوفها بتنهار بالشكل ده.
لكن بدل ما أحس بالذنب كنت حاسس بالضيق.
ضيق من نفسي. ومنها. ومن حياتي كلها.
بعد يومين، لارا قالت لي إيه رأيك نتعشى سوا بعد الشغل؟
قلبي دق بعنف.
عارف إن اللي بيحصل غلط لكن جزء جوايا كان مستني اللحظة دي من زمان.
وافقت.
وفي المطعم، كانت قاعدة قدامي بشكل يخطف العين. كل الرجال يبصولها. وأنا حاسس بفخر غبي إنها معايا.
ضحكت وقالت مراتك أكيد جميلة جدًا عشان خلتك تتمسك بيها.
الكاتب_رومانى_مكرم
سكت ثواني ثم قلت الجملة اللي غيرت كل حاجة
الحقيقة؟ لا.
لارا رفعت حاجبها بدهشة. وأنا لأول مرة بدأت أحكي كل اللي جوايا.
لكن وأنا بتكلم ماكنتش واخد بالي إن في شخص واقف بعيد عن طاولتنا سامع كل كلمة.
لكن قبل ما كريم يلف يشوف مين اللي واقف الشخص ده كان اختفى.
اتوتر فجأة، وبص حواليه، لكن لارا ضحكت وقالت وهي بترشف العصير مالك؟ حسيتك اتخضيت.
هز راسه بسرعة لا مافيش.
بس قلبه كان بيدق بعنف.
رجع البيت متأخر، وفضل طول الطريق ساكت. أول ما فتح الباب، لقى البيت هادي بشكل غريب.
ريم ماجتش تستقبله زي عادتها.
دخل أوضة النوم ملقهاش.
لف لحد ما لقاها في البلكونة، قاعدة في الضلمة، حاضنة نفسها من البرد.
أول ما شافته قامت بسرعة ومسحت وشها كأنها كانت بتعيط.
قال ببرود وهو بيقلع الساعة إنتِ قاعدة هنا ليه؟
قالت بهدوء مستنياك.
سكت.
ولأول مرة حس إنها باينة مرهقة جدًا. أرهق من المعتاد. كأنها بتحارب حرب محدش شايفها.
دخل ينام من غير كلام.
لكن وهو بيحاول يغمض عينه افتكر جملة لارا مراتك أكيد جميلة جدًا عشان خلتك تتمسك بيها.
وإجابته.
الحقيقة؟ لا.
الجملة فجأة حسها قاسية بشكل بشع.
تاني يوم، كريم رجع من الشغل بدري شوية.
فتح الباب ووقف مكانه.
ريم كانت نايمة على الكنبة، والتلفزيون شغال بصوت واطي.
وفي حضنها ألبوم صور قديم.
قرب ببطء، وفتح صفحة منه.
صور الخطوبة.
صور أول خروجة.
صورهم وهم بيضحكوا بطريقة عفوية جدًا.
وفي كل صورة كان باصصلها بنفس النظرة.
نظرة الراجل اللي شايف الست اللي قدامه أجمل ست في الدنيا فعلًا.
اتجمد.
إزاي النظرة دي اختفت؟
قلب الصفحة، فلقى ورقة صغيرة واقعة.
كانت بخط ريم.
أنا عارفة إني مش الأجمل بس كنت دايمًا بحاول أبقى أكتر واحدة تحبك.
حس بحاجة تخبط جواه بعنف.
ولأول مرة من شهور حس بالخجل من نفسه.
في الأيام اللي بعدها، بدأ يركز في حاجات عمره ما خد باله منها.
إن ريم كانت تحفظ مواعيده كلها. إنها تعرف هو زعلان من نبرة صوته بس. إنها طول عمرها أول واحدة تجري عليه لو تعب. وإنها رغم كل البرود اللي شافته منه، ما بطلتش تحاول.
وفي يوم، رجع البيت بدري بشكل مفاجئ.
لقى ريم واقفة في المطبخ، بتحاول تفتح برطمان ومش عارفة.
اتنهدت بضيق وهي بتقول لنفسها أكيد كريم كان هيعرف يفتحه
قال من وراها هاتيه.
اتخضت وبصتله.
فتح البرطمان بسهولة، وناولهلها.
فضلت باصة له ثواني، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة شكرًا.
كانت بسيطة جدًا
لكن قلبه اتحرك.
لأنه افتكر إن البنت اللي بره، مهما كانت جميلة، عمرها ما هتبصله بنفس الطبطبة دي.
ولا بنفس الأمان.
بعدها بأيام، الشركة عملت عزومة كبيرة للموظفين.
ولأول مرة من شهور، كريم طلب من ريم تيجي معاه.
اتوترت وقالت ألبس إيه؟
بصلها شوية ثم قال بهدوء أي حاجة تبقي مرتاحة فيها.
وفي الحفلة، لارا كانت موجودة فعلًا بكل جمالها الملفت.
لكن الغريب إن كريم كان مركز مع حاجة تانية.
ريم.
وهي بتضحك بخجل مع زمايله. وهي بتعدل ياقة قميصه تلقائيًا. وهي بتبصله كل شوية كأنها لسه بتحبه بنفس الطريقة القديمة.
وفجأة، واحدة من الموظفات قربت من ريم وقالت بابتسامة مراتك روحها حلوة جدًا يا كريم مريحة.
بصلها للحظة
ثم بص
ولأول مرة فهم إن الجمال اللي كان بيدور عليه طول الوقت كان موجود قدامه، بس هو اللي بقى أعمى عنه.
مش جمال الملامح.
جمال العِشرة.
وفي آخر الليلة، وهو سايق العربية، كانت ريم باصة من الشباك وساكتة.
قال فجأة ريم.
بصتله نعم؟
سكت ثواني ثم قال بصوت واطي أنا آسف.
اتفاجئت.
كمل وهو عينه على الطريق آسف على كل مرة حسستك إنك أقل رغم إنك عمرك ما كنتِ كده.
عينيها لمعت بالدموع، لكنها ابتسمت.
ومدت إيدها تمسك إيده بهدوء.
المرة دي هو اللي شد على إيدها بقوة.
كأنه أخيرًا فهم قيمة الحاجة اللي كانت معاه من البداية قبل ما يخسرها في الطريق، الصمت كان مختلف هذه المرة.
مش صمت توتر لكن صمت ناس لأول مرة تبص لبعض بجد من غير ضوضاء جواها.
ريم كانت ماسكة إيده، بس إيدها نفسها كانت بتترعش.
قالت بصوت واطي كريم إنت بتقول آسف عشان إيه بالظبط؟
سكت لحظة.
هو نفسه اكتشف إن الإجابة مش كلمة واحدة.
قال على إني خلتك تحسي إنك مش كفاية وعلى إني كنت بدوّر بره على حاجة أنا عمري ما حاولت أشوفها جوا.
بصتله ومردتش بسرعة.
كان باين عليها إنها مش بس زعلانة دي كانت متعودة على الألم لدرجة إنها بقت خايفة من الأمل.
قالت بهدوء أنا عمري ما طلبت أكون أجمل واحدة أنا كنت بس عايزة أبقى مريحة ليك.
الجملة دي كسرت حاجة جواه.
رد بسرعة وأنتِ كنتي بس أنا اللي ما كنتش شايف.
وصلوا البيت.
لكن المرة دي، البيت ماكنش زي أي يوم تاني.
كريم دخل وفتح النور بص حواليه كأنه شايفه لأول مرة.
البيت اللي كان شايفه عادي طول السنين بقى فيه تفاصيل ماخدش باله منها قبل كده.
ستارة ريم اللي كانت بتختارها بعناية. الوردة الصغيرة اللي حطتها في ركن الصالون. ريحة الأكل اللي لسه موجودة في الجو حتى وهي مش بتطبخ.
كل حاجة كانت هي.
ريم دخلت وراها بهدوء، وراحت قعدت على الكنبة.
قالت فجأة إنت هتفضل كده؟
استغرب كده إزاي؟
قالت يعني نرجع طبيعيين؟ ولا ده اعتذار مؤقت وبعده كل حاجة ترجع زي ما كانت؟
سكت.
السؤال كان صعب لأنه كان حقيقي.
قعد قصادها وقال أنا مش عايز أرجع زي ما كنا.
رفعت عينيها بسرعة.
كمل أنا عايز أبدأ من جديد بس المرة دي وأنا شايفك صح.
الليالي اللي بعدها كانت مختلفة.
مش مثالية لكن صادقة.
كريم بدأ ياخد باله من حاجات صغيرة ضحكتها لما بتتكسف. طريقة كلامها وهي بتطمنه. إصرارها إنها تفضل مهتمة بيه رغم كل اللي حصل.
وهو كمان بدأ يتغير.
بطل يبص برا بعين المقارنة. وبقى لما يشوف جمال في الشارع يفتكره لحظة وبعدين ينسى.
لأنه لأول مرة بقى عنده حاجة أثمن من الانبهار.
راحة.
وفي يوم جمعة، قرروا يخرجوا سوا.
مش مكان فخم ولا كافيه شيك.
كانوا قاعدين على النيل.
الهواء هادي، والمية عاكسة نور الشمس.
ريم كانت ساكتة، لكن المرة دي سكوتها مريح.
قالت فجأة فاكر أول مرة قلتلي فيها إني عادية؟
اتجمد.
هز راسه ببطء فاكر.
ابتسمت أنا كمان فاكرة بس الغريب إني وقتها ما سبتكش.
بصلها باستغراب.
كملت كنت عارفة إنك تايه بس ما كنتش عارفة إنك هتوصل لدرجة دي.
سكت.
ثم قال وأنا دلوقتي عرفت إني كنت تايه في أبسط حاجة في حياتي وأهمها.
مدت إيدها تمسك إيده إيه هي؟
بصلها وقال بهدوء إني عندي حد يحبني بصدق وأنا كنت بدوّر على وهم.
في اللحظة دي، المية كانت هادية جدًا.
وكأن حتى النيل نفسه بيسمع.
ومرة واحدة كريم ابتسم.
ابتسامة أول مرة تكون حقيقية من سنين.
مش لأنه كسب حاجة جديدة
لكن لأنه أخيرًا رجع لنفسه ريم فضلت ماسكة إيده شوية أطول من العادي كأنها بتتأكد إن اللحظة دي حقيقية مش حلم.
وبعدين قالت بهدوء كريم أنا مش عايزة أكون تجربة إنك تصلّح نفسك بيا.
الجملة كانت بسيطة بس تقيلة.
سكت فورًا.
وبص لها بجدية مش تجربة.
قرب شوية وقال أنا بس لأول مرة بفهم يعني إيه أكون عادل معاكِ قبل أي حد.
ريم هزت راسها ببطء، كأنها بتستوعب كلامه واحدة واحدة.
بس عينيها كان فيها خوف خفيف الخوف اللي بييجي بعد ما القلب يتكسر ويتلم تاني.
رجعوا البيت، وكل واحد فيهم ساكت شوية.
كريم دخل الأوضة، ووقف قدام المراية.
اتفرج على نفسه.
مش شايف الراجل اللي كان بيجري ورا الانبهار ولا اللي كان بيقارن.
شايف واحد تايه بس أخيرًا واقف على أرضه.
وراءه دخلت ريم، ووقفت عند الباب.
قالت ممكن أسألك سؤال؟
بص لها أكيد.
سكتت ثواني، وبعدين قالت إنت لو شوفت واحدة تانية حلوة هتعمل إيه؟
السؤال كان مباشر وصريح زيادة عن اللزوم.
كريم اتنهد.
مش اتوتر بس فكر.
وبعدين قال هشوف عادي.
قلبها وقع لحظة.
كمل بسرعة بس الفرق إن قبل كده كنت بسيب اللي قدامي عشان اللي بشوفه. دلوقتي هبص وبعدين أرجع. لأن عندي بيت وعندي حد ماينفعش أقارنه بحاجة عابرة.
ريم سكتت.
وبعدين قالت بصوت واطي أنا مش عابرة.
ابتسم عارف.
الأيام اللي بعدها، العلاقة ما رجعتش مثالية فجأة لكن بقت أهدى.
فيه لحظات صمت، وفيه لحظات كلام كتير.
وفي مرة، ريم قررت تروح الكوافير من غير ما تقوله.
رجعت شعرها متغير شوية، ولبسها أبسط من الأول حتى.
دخلت البيت وهي مترددة إيه رأيك؟
كريم بص لها ثانيتين بس.
وبعدين قال إنتِ حلوة.
سكت لحظة، ثم كمل بس مش عشان الشكل.
ابتسمت لأول مرة من قلبها عشان إيه؟
قال عشانك إنتي.
في الليل، وهي نايمة، كان هو قاعد جنبها.
بيبصلها بهدوء.
مش نفس النظرة القديمة ولا نظرة الذنب.
دي نظرة فهم.
وبصوت واطي جدًا، كأنه بيكلم نفسه اللي كنت بدوّر عليه برا كان بيكبر جواها طول الوقت وأنا اللي ماكنتش شايف.
ريم اتقلبت في نومها، وقربت منه تلقائيًا، وحطت إيدها على إيده وهي نايمة.
ابتسم.
لأن المرة دي ماكنش محتاج يقارن.
كان بس محتاج يحس إنه في مكانه الصح مرت أسابيع، والهدوء اللي دخل حياتهم ماكنش صاخب لكنه كان ثابت.
كريم بدأ يلاحظ إن التغيير الحقيقي مش في شكل ريم، ولا في تصرفاتها بس لكن في نفسه هو.
بقى أقل توترًا، أقل مقارنة، وأكتر حضورًا.
وفي يوم وهو راجع من الشغل، شاف لارا صدفة في الشارع.
وقفت لما شافته، وابتسمت ابتسامة خفيفة مختفي ليه؟
سكت لحظة.
قبل كان هيتهز أو يتلخبط.
لكن المرة دي قال بهدوء مش مختفي أنا بس بقيت في مكان تاني.
رفعت حاجبها يعني إيه؟
بصلها وقال يعني بقيت فاهم إني كنت بدوّر على إحساس مش على شخص.
سكتت.
المرة دي ابتسامتها اختفت تدريجيًا.
كمل ومش عايز أكرر الغلط.
هزت كتفها براحتك.
ومشت.
لكن هو ما اتحركش وراها ولا بص لها حتى وهي ماشية.
فضل واقف ثواني، كأنه بيقفل باب كان مفتوح جواه من سنين.
في البيت، ريم كانت بتحضر الغدا.
أول ما دخل، قالت من المطبخ اتأخرت النهارده.
رد وهو بيخلع الجاكيت كان عندي مشوار مهم.
طلعت تبص عليه مش شغل؟
هز راسه لا كنت بقفل حاجة.
سكتت لحظة حاجة زي إيه؟
قرب منها بهدوء وقال حاجة اسمها التشتت.
ريم بصتله باستغراب خفيف.
وبعدين ضحكت اسمها غريب.
ابتسم بس كانت بتتعبني.
بعد العشا، قعدوا مع بعض على الكنبة.
المرة دي مفيش تلفزيون عالي، ولا موبايلات مشغولة.
بس فيه هدوء مختلف.
ريم قالت فجأة فاكر لما قولتلي إني عادية؟
اتنهد فاكر أكتر مما أحب.
ابتسمت أنا كنت هزعل أكتر لو ماكنتش رجعت وعدلت نظرتك.
بصلها وأنا كنت هخسر كتير لو ماكنتش فهمت بدري.
سكتوا شوية.
وبعدين قالت إنت شايفني إيه دلوقتي؟
السؤال كان بسيط بس عميق.
كريم فكر ثواني.
وبعدين قال شايفك البيت اللي ماكنتش عارف إني محتاجه.
عينيها
قال الحقيقة دايمًا تقيلة شوية.
في الليل، وهو نايم جنبها، فضل صاحي شوية.
بيبصلها وهي نايمة.
مش شايف جمال خارق ولا عادي.
شايف حقيقة.
وبصوت واطي قال الحمد لله إني ما ضيّعتكيش حتى لو اتأخرت في إني أفهمك.
وفي اللحظة دي، ريم فتحت عينيها نص فتحة، ومسكته من إيده وهي نايمة.
كأنها بتطمنه أو بتأكد لنفسها إنه فعلاً رجع.
والصمت بينهم المرة دي ماكانش فراغ.
كان امتلاء عدى وقت بعد الليلة دي، وبدأت الحياة تاخد شكل أهدى بكتير.
مش لأن المشاكل اختفت لكن لأن طريقة تعاملهم معاها اتغيرت.
كريم بقى لما يختلفوا، ما يهربش ولا يسكت بعند. وريم بقت تقول اللي جواها من غير خوف إنها تتفهم غلط.
وفي يوم جمعة، ريم كانت قاعدة لوحدها في الصالون، ماسكة فنجان شاي.
كريم دخل وقال إيه القعدة لوحدك دي؟
قالت بابتسامة بفكر.
قرب في إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت أنا كنت دايمًا فاكرة إنك هتفضل شايفني قليلة حتى بعد ما الأمور هديت.
سكت فورًا.
قعد قدامها وقال بهدوء وأنا كنت فاكر إنك مش هتسامحيني بسهولة.
ابتسمت أنا ماكنتش مستنية المثالية أنا كنت مستنية الصدق.
كريم هز راسه والصدق هو اللي بدأنا بيه من جديد.
في نفس اليوم، قرروا يخرجوا يتمشوا.
مش مكان معين بس شارع هادي قريب من البيت.
كانت الدنيا مغرب، والجو دافي.
ريم كانت ماشية جنبه، وإيدها في جيبها.
وفجأة قالت تعرف إيه أكتر حاجة اتغيرت فيك؟
بص لها إيه؟
قالت إنك بطلت تبص للناس كأنهم مقارنة.
سكت لحظة.
وبعدين قال لأ أنا بطلت أبص لنفسي كده الأول.
بصتله باستغراب إزاي؟
قال كنت طول الوقت بحاول أبان إني واخد القرار الصح، بس جوايا كنت مش مقتنع. دلوقتي بقيت عارف إني مسؤول عن اختياري ومبسوط بيه.
ريم ابتسمت وده فرق كبير.
وهم ماشيين، عدت واحدة جميلة جدًا قدامهم.
زي ما كان بيحصل زمان كريم حس بنظرة سريعة.
بس المرة دي ما وقفش.
ولا قلبه اتسحب.
بس بص قدامه تاني.
ريم لاحظت.
بس ما قالتش حاجة.
بس ابتسمت.
لما رجعوا البيت، ريم دخلت الأوضة، وكريم وقف في الصالة شوية لوحده.
حاسس بإحساس غريب مش فرح مبالغ فيه، ولا ندم.
إحساس اسمه استقرار.
وبعد شوية، دخل عليها.
كانت قاعدة على السرير بتقرأ في موبايلها.
قال بهدوء ريم
بصتله نعم؟
قعد جنبها أنا مش عايزك تفتكري إني بقيت ملاك أنا لسه بتعلم.
ابتسمت وأنا كمان.
سكت لحظة.
وبعدين قال بس المهم إني مش ماشي لوحدي دلوقتي.
ريم قفلت الموبايل، وبصت له ولا أنا.
في اللحظة دي، مفيش وعود كبيرة اتقالت.
ولا مشاهد درامية.
بس كان فيه حاجة أعمق.
اتنين اختاروا يكملوا وهم عارفين إن الكمال مش شرط.
المهم إنهم بقوا شايفين بعض بوضوح أخيرًا مرّت سنة كاملة تقريبًا على اللي اتغيّر بينهم.
السنة دي ماكنتش سهلة لكنها كانت حقيقية.
فيها لحظات هدوء، ولحظات خلاف، ولحظات شك صغيرة كانت بتطلع وتختفي لكن في كل مرة، كانوا بيرجعوا يتكلموا بدل ما يبعدوا.
وفي يوم عادي جدًا، كريم رجع بدري من الشغل.
فتح الباب بهدوء ولأول مرة من زمان، شم ريحة أكل بيحبه قبل ما يشوف ريم.
دخل المطبخ.
كانت واقفة بتغني بصوت واطي وهي بتقلب في الحلة.
وقفت أول ما شافته رجعت بدري ليه؟
ابتسم حبيت أرجع بدري.
سكتت ثواني، وبعدين قالت وهي بتضحك إنت بقيت غريب الأيام دي.
قرب منها غريب كويس ولا غريب وحش؟
بصت له غريب مطمّن.
بعد الغدا، قعدوا على البلكونة زي زمان.
بس المرة دي مفيش ثقل قديم ولا صمت تقيل.
كان فيه نسمة هوا، وصوت شارع بعيد، وحياة ماشية.
ريم قالت فجأة فاكر أول مرة قولتلي إني عادية؟
سكت لحظة.
وبعدين قال فاكر وعمري ما هنسى إني كنت غلطان وقتها.
هزت راسها أنا كمان كنت فاكرة إنك ممكن تمشي في أي لحظة.
بص لها ومشيت بس مش بعيد. رجعتلك في الآخر.
ابتسمت رجعت لنفسك الأول.
سكتوا شوية.
وبعدين كريم قال بهدوء عارفة أكتر حاجة اتعلمتها؟
سألته إيه؟
قال إن الجمال اللي كنت بدوّر عليه كان لحظة. لكن اللي بيفضل هو اللي بيبني حياة.
ريم بصت له بعينين هاديتين وأنا؟
قرب وقال إنتِ الحياة.
سكتت بس عينيها دمعت للمرة الأولى من فترة طويلة، من غير وجع من غير خوف.
بس ارتياح.
في آخر المشهد، الشمس كانت بتغيب، واللون البرتقالي مالي السماء.
كريم كان قاعد جنبها، وإيده في إيدها زي الأول بس الفرق إن المرة دي مفيش ضياع بينهم.
كان فيه اختيار واعي.
مش حب أعمى ولا إعجاب عابر.
لكن حب اتبنى بعد ما اتكسر واتصلح.
ريم همست مبسوط؟
قال أيوه لأول مرة من زمان، مبسوط من غير ما أقارن أي حاجة بأي حاجة.
ابتسمت يبقى إحنا كده كويسين.
رد بهدوء إحنا أحسن من كويسين إحنا حقيقيين.
وسكتوا.
والنهاية كانت بسيطة جدًا
اتنين قرروا يكملوا وهم شايفين بعض أخيرًا زي ما هم، مش زي ما الدنيا عايزاهم يكونوا.
