فرامل عربيتى زهره الربيع
جوزي لعب في فرامل عربيتي من ورايا ، وتاني يوم الصبح بكل ذوق اديت مفتاح العربية لحمايا، وقولت له ياخد حماتي ويطلعوا يتفسحوا بيها ويغيروا جو.
”منة؟”
صوت شريف جالي من ورايا.
لفيت راسي، لقيته واقف على باب المطبخ، لابس البيجامة الرمادي الخفيفة، شعره منكش شوية، وعينيه لسه فيها كسل النوم.
شبه كل يوم الصبح عادي جداً.
قرب مني من ضهري، وحضن وسطي وحط دقنه على كتفي.
”صباح الخير يا حبيبتي.”
ميلت راسي وسيبته يبوس خدي برقة.
”القهوة خلاص جهزت، والفطار ثواني ويكون عندك.”
”يا سلام على الريحة الحلوة.”
شريف خد نفس عميق وسابني، وراح قعد على السفرة.
”أنا عندي اجتماع مهم الصبح بدري النهاردة، ولازم أنزل قوام.”
شريف خد الطبق ومسك الشوكة والسكينة.
”آه صحيح، عربيتك عاملة إيه الأيام دي؟ ماشية تمام مفيهاش مشاكل؟”
إيدي وهي ماسكة فنجان القهوة وقفت في الهواء لثانية، بس بسرعة رجعت لطبيعتها.
”زي الفل، خير
في حاجة؟”
”لا مفيش، بسأل عادي اصلي امبارح جبت فني من التوكيل شيك عليها وقالي ان فيها مشاكل كتير…انتي ازاي مش بتاخدي بالك .”
”الجو اليومين دول زفت والتراب مالي البلد، والعربيات بتعطل من أقل حاجة.
استغربت شوسهوقلتله…انت جبت فني هنا شوف العربيه…غريبه مشفتهوش
رد بلا مبالاه وهدوء…اصل انتي كنتي عند اهلي ومحبتش ازعجك…وسلامتك اهم حاجه عندي
ابتسمت بهدوء ةقولت….تعبت نفسك يا حبيبي ”انا كنت هروح يوم الجمعة التوكيل.”
”تعب إيه يا بنتي! هو انا عندي اهم منك.”
شريف رفع راسه وابتسم لي.
”أنتِ بتطحني في الشغل طول الأسبوع، سيبي الحاجات دي عليا. وبعدين العربية دي معاكي بقالها تلات سنين، ولازم تشييك كامل عليها.. الفرامل، الكاوتش، الحاجات دي مفيهاش هزار، الأمان أولاً يا منة.”
ابتسامته كانت دافية، وعينيه كلها خوف واهتمام.
تلات سنين جواز، وطول عمره الزوج المثالي اللي مفيش منه اتنين.
جنتل، حنين،
وبيشيلني من على الأرض شيل.
صاحباتي كلهم كانوا بيحسدوني ويقولوا لي “يا بختك يا منة، وقعتي واقفة وجوزك بيعشق تراب رجليكي”.
وفي وقت من الأوقات، أنا نفسي كنت مصدقة الكلام ده.
”ماشي، تمام.”
نزلت عيني وبدأت أقلب في طبق السلطة بالشوكة.
”تسلم لي يا شريف.”
”يا ستي مفيش بينا الكلام ده، إحنا واحد.”
شريف خلص آخر لقمة، وقام أخد الكوباية الفاضية وحطها في الحوض.
”غالباً هأخر بالليل شوية، عندنا تسليم مشروع في الشركة وهنقعد وقت إضافي. متستنينيش، نامي أنتِ.”
”حاضر.”
رديت باختصار.
بعد ما غسل الكوباية ونشف إيده، قرب مني ووطى باس دماغي.
”أنا ماشي بقا، أشوفك بالليل.”
”طريق السلامة، سوق بالراحة.”
الباب اتفتح واتقفل.
صوت خطواته في الممر بره بدأ يبعد، لحد ما اختفى تماماً.
قومت ألم السفرة.
حطيت الأطباق في الحوض.
فتحت الحنفية والمية الدافية بدأت تنزل وتغرق صوابعي.
كنت باصة للمية وهي بتجري، بس دماغي كانت بتجري فيها شريط ذكريات ملخبط.
بقاله تلات شهور شريف قصة “الشغل الإضافي” دي زادت عن حدها.
تليفونه مبقاش يفارق إيده ثانية، لدرجة إنه بيدخل بيه الحمام.
كام مرة أصحي في نص الليل، ألاقي السرير فاضي جنبي.
وألمح نور خفيف جاي من تحت عقب باب الأوضة التانية (المكتب).
لما كنت بسأله، كان بيقول لي “ضغط الشغل هيموتني وعندي أرق مش عارف أنام”.
ده غير المكالمات.
كل ما تليفونه يرن، يطلع يجري على البلكونة، ويتكلم بصوت واطي ومكتوم كأنه بيوشوش حد.
مرة كنت معدية بكوباية مية، راح قفل السكة بسرعة ولف وقال لي وهو بيضحك:
”ده عميل غلس، فصيله وزهقني.”
بس ضحكته ساعتها كانت مهزوزة ومصطنعة أوي.
هو أنا اللي بقيت شكاكة وزيادة عن اللزوم؟
قفلت الحنفية، وأخدت الفوطة أنشف إيدي.
في اللحظة دي، التليفون اتهز في جيبي.
كانت رسالة على الواتساب من حماتي، طنط هدى.
”منة يا حبيبتي، عمك مصطفى من امبارح عمال يزن عاوزنا نطلع رحلة تبع المعاشات للفيوم . عمال يبرطم طول الليل،
وأنا أقوله يا راجل استنى لما الجو يتحسن شويع وهو قفش وزعل.. كل ما بيكبر بيبقى شبه العيال الصغيرة.”
وفي آخر الرسالة إيموجي بيضحك ومكسوف.
شفايفي اترسمت عليها ابتسامة من غير ما أحس.
حمايا وحماتي دول أطيب ناس في الدنيا.
عم مصطفى قبل ما يخرج على المعاش كان أسطى وخريج مدرسة الصنايع، راجل دغري وميعرفش اللف والدوران، وعاش عمره كله لبيته وعياله.
وطنط هدى ست طيبة وفي حالها، وبتعاملني كأني بنتها اللي مخلفتهاش وأكتر.
من يوم ما طلعوا على المعاش، وحلمهم الوحيد يلفوا مصر بالعربية ويتفسحوا.
بس عربيتهم القديمة بقت بتسخن ومبقتش حمل سفر وطرق مفتوحة ومش عايزين ياخدو عربية ابنهم لانه بيحتاجها كل شويه في شغله.
ياما قولت لهم “يا عم مصطفى خد عربيتي كبيره مريحة وواسعة في السفر”.
بس حمايا كان دايماً يرفض بعزة نفس ويقول لي “يا بنتي دي عربيتك ، منحبش نبهدلها معانا”.
مسكت التليفون وكتبت لها:
”يا طنط لو عمو عاوز يسافر، المفتاح والعربية تحت أمركم في أي وقت.”
”أنا كدة كدة بستخدمها بسيط خالص، وفي الويك إند مبروحش بيها حتة. خدوها بدل ما هي مركونة تحت البيت والتراب بياكلها.”
الرسالة مفيش ثانية والرد جه:
”يا حبيبتي تسلمي، كلام إيه ده
بس! العربية عربيتك، وإحنا مش هنتبغدد بيها. وبعدين هتروحي شغلك إزاي؟”
بصيت للشاشة كام ثانية، و صوابعي كتبت بسرعة:
”يا ستي أنا بركب المترو وبكون في الشركة في ربع ساعة، أسرع من زحمة المحور والعربية مائة مرة. قولي لعمو يتوكل على الله ويجهز الشنط، واطلعوا اتبسطوا قوام.”
ودست إرسال، وأنا ببتسم
تاني يوم كان شريف جوزي وصل اخر اللليل ومشي بدري الصبح قبل ما يصحيني
قومت من النوم وكنت هتصل بيه بس سمعت صوت خبط هلى الباب
روحت فتحت كانو حمايا وحماتي ومعاهم شنط سفرهم
حمايا ابتسم بكسوف وقال..معلش لو هنتعبك يا منه
ضحكتوانا بديله مفتاح العربيه وقولت…المهم تتبسطو وصور كتير بقى
حمايا اخد المفتاح بفرحه زي الاطفال وقال…ده انا هبعتلك صوره كل ثانيه
حماتي ضحكت وقالت ..مفيش فايده فيه
وحضنتني وهيه بتشكرني من قلبها
اول ما خرجو من عندي مسكت التليفون واتصلت بشريف
بعد دقايق رد وقال بلهفه…ها يا روحي نزلتي شغلك اخبار العربيه ايه معاك
استغربت سؤاله واللهفه اللي في صوته وقالولت..لا يا حبيبي انا هنزل بالمترو النهارده ..العربيه اخدوها باباك ومامتك هيلفو بيها ويشوفو الدنيا
شريف اتجمد، وحتى صوت نفسه مسمعتوش، واللي حصل بعدها عمري ما اتخيلته…
السكوت اللي ساد في الخط كان مرعب، سكوت مش طبيعي، لدرجة إني شيلت الموبايل من على ودني وبصيت في الشاشة ألتأكد لو الخط قطع ولا لسه مفتوح. لقيت العداد بيعد ثواني عادي جداً. رجعت الموبايل لودني ونديت عليه بقلق:
“شريف؟ شريف أنت معايا؟ الخط قطع ولا إيه؟”
وفجأة، سمعت صرخة مكتومة طالعة من أعماق قلبه، صرخة هزت سماعة التليفون ونفضت كياني كله. صوت شريف مبقاش هو الصوت الحنين الناعم اللي أعرفه، بقى صوت مرعوب، منهار، وضايع تماماً.
“أبويا وأمي؟! أخدوا العربية؟! أخدوها إزاي يا منة؟ أنتِ بتقولي إيه؟! قولي إنك بتهزري.. أرجوكي قولي إنك لسه مادتيهمش المفتاح!”
استغربت جداً من نبرة الهلع المبالغ فيها دي، وجسمي بدأ يقشعر من غير ما أفهم السبب. رديت عليه بنبرة هادية وبأحاول أستوعب:
“أهزر في إيه يا شريف؟ هما لسه نازلين من عندي من دقيقتين بالظبط، وفرحانين جداً وشنطهم معاهم. أنا قولت حرام عمو مصطفى كان نفسه يفسح طنط هدى، وعربيتي مريحة وواسعة وهتشيلهم في طريق الفيوم. في إيه يا حبيبي لكل الخوف ده؟ ما هما ياما سافروا، وبعدين أنت مش قايل لي إنك جبت فني من التوكيل امبارح وشيك عليها؟ يعني العربية آمنة وزي الفل!”
” الفرامل يا منة!!! الفرامل!!!”
شريف صرخ بالكلمة دي وهو بيبكي بنشيج حاد، صوت عياطه كان هيريسيري، كأنه طفل صغير بيضيع منه كل حاجة.
“الفرامل مقطوعة! العربية مفيهاش فرامل يا منة! أبويا وأمي هيموتوا.. أنا السبب.. أنا اللي عملت كده!”
في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا. المطبخ، الحيطة، السقف، كل حاجة حواليا بدأت تدور بسرعة جنونية. الكلمات نزلت على وداني زي الصواعق المتتالية. دماغى عجزت عن الترجمة.
“الفرامل مقطوعة؟ وأنت اللي عملت كده؟ يعني إيه؟ شريف أنت بتقول إيه؟!”
صوته جالي من بين شهقاته العالية، مكسور ومفضوح، ومبقاش قادر يخبي خطيئته بعد ما السكينة سرقته وجت في أعز ما يملك:
“أنا اللي بوظت الفرامل بايدي امبارح بالليل يا منة.. أنا اللي قاطعلها الخرطوم ومصفي الزيت.. كنت فاكر إنك أنتِ اللي هتركبيها الصبح وتنزلي بيها المحور.. كنت عايز أخلص منك عشان.. عشان أتجوز ريهام ونصيبك في الشركة والبيت يرجعوا لي.. أنا أسف.. أنا غبي.. اطلحي وراهم يا منة الحقيهم! أبويا لو مسك طريق المحور ونزل النزلة مش هيعرف يقف! هيموتوا يا منة.. هيموتوا بسببي!”
الموبايل وقع من إيدي على الأرض. الشاشة اشرخت، وصوت شريف العالي الباكي بقى طالع من السبيكر المكسور وهو بيصرخ: “منة! ردّي عليا! الحقيهم يا منة!”
أنا مكنتش حاسة برجلّيا. الصدمة كانت أكبر من طاقة أي بشر. جوزي؟ شريف؟ حبيب عمري اللي بقالي تلات سنين عايشة معاه ومفتكرة إنه الزوج المثالي؟ الراجل اللي كان بيحضني الصبح ويقول لي “سلامتك أهم حاجة عندي”؟ طلع هو اللي رتب لقتلي بدم بارد! الغدر جه من أكتر مكان كنت حاسة فيه بالأمان. الفني اللي قال عليه مكنش من التوكيل، ده كان هو الشيطان اللي نزل تحت العربية بآلات حادة عشان ينهي حياتي. والأخطر.. إن صفا نيتي وحبي لأهله، هما اللي حطوا أمه وأبوه في وش المدفع اللي كان موجهه ليا!
فقت من صدمتي على صوت ضميري اللي صرخ فيا: “عم مصطفى وزنوبة طنط هدى ملهمش ذنب! هيموتوا بسبب غدر ابنهم!”
بسرعة البرق، وطيت أخدت الموبايل، ومفكريتش في أي حاجة غير إني
أنقذ الناس الطيبة دي. جريت على باب الشقة، فتحته وطلعت أجري على السلالم زي المجنونة، مكنتش قادرة أستنى الأسانسير. نزلت السلالم في ثواني، وأنا بطلب رقم حمايا.
التليفون كان بيرن.. ويرن.. ومفيش رد.
“رد يا عم مصطفى.. أرجوك رد يا رب!”
وصلت للشارع، بصيت على المكان اللي كانت مركونة فيه عربيتي.. لقتها مش موجودة. اتحركوا!
رنيت على طنط هدى.. الخط كان بيدي جرس.. وقلبي كان بيدق معاها ألف دقة في الدقيقة. أخيرًا، جالي صوت طنط هدى الفرحان:
“أيوة يا منمن يا حبيبتي، إحنا ركبنا خلاص وعمك مصطفى منبهر بالعربية، عمال يقول لي شوفي النعومية وشوفي السحب..”
قاطعتها بصوت مخنوق بالدموع والرعب، وكنت بأجري في الشارع مش عارفة بروح فين:
“طنط! اسمعيني كويس وافتحي السبيكر حالا وخلي عمو مصطفى يسمعني! متقاطعينبيش أرجوكي!”
سمعت صوت حمايا وهو بيقول قلقان: “في إيه يا بنتي؟ صوتك ماله؟”
“عمو مصطفى.. شريف كلمني حالا وقال لي إن العربية فيها مشكلة خطيرة في الفرامل وزيت الفرامل كله اتسرب على الأرض! أرجوك يا عمو.. أوعى تسرع.. اهدى خالص ومتدوسش على الفرامل فجأة.. حاول تقف في حتة على جنب بالراحة ومن غير ما تستخدم الفرامل العادية.. استخدم فرامل اليد بالتدريج لو السرعة هادية!”
صوت حمايا اتبدل تماماً، وبحكم خبرته القديمة كصنايعي بيفهم في العربيات، قال بنبرة جادة ومخضوضة:
“زيت الفرامل اتسرب؟! يا نهار مش فايت.. يا بنتي إحنا بقينا على مطلع المحور خلاص والسرعة بدأت تزيد.. أنا هحاول أهدي بالغيارات. . استرها يارب!”
سمعت صوت صرخة طنط هدى وهي بتقول: “يا مصطفى العربية مش راضية تقف! العربية بتجري!”
الخط فجأة قطع.
وقفت في وسط الشارع، الدموع مغرقة وشي، والناس بتبص عليا وأنا عمالة أصرخ وأقول: “يارب.. يارب احميهم.. ملهمش ذنب.. ملهمش ذنب في قذارة ابنهم!”
في الوقت ده، لقيت عربية تاكسي معدية، شاورتلها بهستيريا وركبت.
“اطلع على المحور بسرعة يا أسطى! أرجوك ورا عربية كيا سودا.. بسرعة هيموتوا!” السواق شاف حالتي وعيني اللي طالع منها الرعب، داس بنزين وطار على الطريق.
طول الطريق وأنا بحاول اتصل بحمايا وبحماتي، والخطوط كلها مقفولة أو مبتردش. اتصلت بالطوارئ والإسعاف وبلغت إن في عربية فقدت السيطرة على المحور. وفي وسط كل ده، تليفوني مكنش بيبطل رن.. كان شريف.
رديت عليه وأنا بنهج وأبكي: “عايز إيه تاني؟! عايز إيه يا مجرم؟! أهلك بيموتوا دلوقتي بسببك!”
شريف كان صوته رايح خالص من العياط: “منة.. أنا سايق وعمى على المحور بدور عليهم.. وصلتي لحاجة؟ ردوا عليكي؟”
“قفلوا الخط والعربية كانت بتجري بيهم.. اتمنا من ربنا إنهم يعيشوا، عشان تعيش طول عمرك حاسس بالذنب إنك قتلت أمك وأبوك عشان طمعك وقذارتك!” وقفت السكة في وشه.
بعد حوالي عشر دقائق من السير الجنوني على المحور، بدأت حركة المرور تقف، والعربيات بدأت تهدي وتعمل صفوف. السواق قال لي: “شكل في حادثة قدام يا مدام، السكة وقفت خالص.”
قلبي سقط في رجلي. فتحت باب التاكسي ونزلت أجري على رجلي بين العربيات الواقفة. كنت بجري والنهجان بيقطع صدري، لحد ما وصلت لمنطقة النزلة، ولقيت تجمع كبير من الناس، وعربيات إسعاف، والشرطة قفلت المكان.
زقيت الناس بكل قوتي وأنا بصرخ: “أبويا وأمي جوه! سيبوني أعدي!”
لما وصلت للخط الأمامي، شفت المنظر اللي خلى ركبي تخونني وأقع على الأرض.
عربيتي السودا كانت خابطة في الرصيف الخرساني الكبير، والوش بتاعها مدمر تماماً، والتدخين طالع من الموتور. بس الحمد لله، الكابينة مكنتش معجونة بالكامل لأن حمايا واضح إنه استخدم خبرته القديمة وحك العربية في السور الخرساني عشان يهدي سرعتها قبل ما تصطدم بالكامل.
جريت على عساكر الإسعاف وهما شايلين اتنين على النقالات. بصيت على الوشوش.. كانت طنط هدى وعمو مصطفى. وشوشهم مليانة جروح ودم، وعمو مصطفى كان غايب عن الوعي، بس طنط هدى كانت بتفتح عينيها ببطء وبتتأوه
من الألم.
المسعف زعق فيا: “أنتِ تقربيلهم يا مدام؟”
قلتله وأنا بنهار: “أنا بنتهم.. هما عايشين؟ طمنّي أرجوك!”
المسعف قال بسرعة وهو بيزق النقال جوه العربية: “النبض شغال، في كسور واشتباه في ارتجاج، بس الحمد لله لحقناهم قبل ما العربية تنفجر أو تتقلب من فوق المحور.. اركبي معانا بسرعة على المستشفى.”
في اللحظة دي، شفت عربية شريف بتهدي على الجانب التاني من الطريق، ونزل منها زي المجنون. كان شعره منكش، ووشه أصفر زي الليمونة، وعينيه مرعوبة. أول ما شاف عربيات الإسعاف وشافني واقفة، جرى عليا وهو بيصرخ: “أبويا! أمي!”
لكن قبل ما يوصل للنقالات، أنا وقفت في وشه. بصيت له بنظرة عمري ما بصيت له بيها قبل كده.. نظرة كلها قرف واشمئزاز وكره. شريف حاول يمسك إيدي وهو بيبكي: “منة.. هما كويسين؟ قولي لي إنهم عايشين!”
شلت إيدي منه بقوة وضربته بقلم نزل على وشه بكل غلي وقهري، القلم سمع في المكان كله.
“متلمسنيش يا قذر! متجيبش سيرتهم على لسانك! أنت مش ابنهم.. أنت شيطان!”
شريف اتصدم وبص لي بضعف وانكسار وهو مش قادر يتكلم، والناس والشرطة بدأوا يتلموا حوالينا مستغربين من رد فعلي. في اللحظة دي، قرب مننا ضابط المباحث اللي كان بيعاين الحادثة وسألني: “في إيه يا مدام؟ مين ده؟ وإيه اللي حصل بالظبط؟”
بصيت لشريف، ولقيت عينيه بترجوني إني مسألوش، كانت نظرة خوف من الفضيحة والسجن. بس أنا مكنش في قلبي أي رحمة ليه. الراجل ده كان عايز يموّتني، وبسببه كان أعز الناس ليا هيروحوا ضحية.
شاورت عليه بصباعي ودموعي بتنزل، وقولت للضابط بصوت قوي وواضح سمعه كل الواقفين:
“يا فندم.. البني آدم ده يبقى جوزي.. وهو اللي دبر الحادثة دي! الراجل ده بوظ فرامل عربيتي وقص الخراطيم امبارح بالليل عشان يقتلني أنا ويخلص مني.. بس ربنا أراد إن والده ووالدته هما اللي ياخدوا العربية من غير ما يعرف، ووقع في شر أعماله! أنا بتهمه رسمياً بالشروع في قتلي وقتل والده ووالدته!”
الملامح على وش الضابط اتحولت للجدية التامة، وبص لشريف اللي كان واقف زي الصنم، مش قادر ينطق بكلمة، ورجليه مكنتش شايلاه لدرجة إنه قعد على ركبه على الأرض وبدأ يبكي بهستيريا وهو بيقول: “مكنتش أقصدهم.. مكنتش عايز أموتهم هما.. أنا أسف يا أمي.. أنا أسف يا أبويا..”
الضابط أشار للعساكر: “هاتوه وخدوا العربية دي على الورشة الفنية فوراً عشان تترفع البصمات ويتعاين خزان الفرامل!”
العساكر كلبشوا إيد شريف وهو منهار تماماً، وبص لي نظرة أخيرة كلها ندم وضياع، بس أنا درت وشي عنه وركبت عربية الإسعاف جنب طنط هدى وعمو مصطفى، وسبته يواجه مصيره الأسود اللي حفرة بإيده.
مرت الأيام والأسابيع..
عمو مصطفى وطنط هدى قعدوا في العناية المركزة لفترة، وبعدها اتنقلوا لأوضة عادية. ربنا كتب لهم عمر جديد، والكسور بدأت تلم بالتدريج. الصدمة الكبيرة ليهم مكنتش من الحادثة ولا الوجع الجسدي، الصدمة كانت لما عرفوا الحقيقة.. الحقيقة الصعبة إن ابنهم الوحيد، اللي ربوه بدم قلبهم، كان هو السبب في اللي حصل لهم، وإن طمعه وشيطانه عموا عينه عن الحق.
أنا مسبتهمش ولا ثانية في المستشفى، كنت قاعدة تحت رجليهم، بأكلهم وبساعدهم، وهما كانوا بيبصوا لي والدموع في عينيهم، حاسين بالذنب تجاهي، وعمو مصطفى كان دايماً يمسك إيدي ويقول لي: “سامحينا يا بنتي.. إحنا معرفناش نربي.. حقك علينا.”
أرد عليه وأبوس إيده: “يا عمو أنت وتيتة هدى ملكمش ذنب، شريف اختار طريقه، وربنا نجاكم عشان أنتم طيبين وتستاهلوا كل خير.”
أما بالنسبة لشريف، التقرير الفني للمرور أثبت فعلاً إن خراطيم الفرامل مقطوعة بآلة حادة بفعل فاعل، والشرطة لقت الأدوات المستعملة في شنطة عربية شريف التانية وعليها بصماته، بالإضافة لتسجيل المكالمة اللي دارت بيني وبينه واللي اعترف فيها بكل حاجة وهو مرعوب. وكمان ريهام، البنت اللي كان عايز يتجوزها، أول ما عرفت باللي حصل ووقوعه في القضية، اختفت تماماً وقامت بحظره من كل مكان، لتثبت له إنها مكنتش عايزة غير فلوسه وبس.
اتحكم على شريف بالسجن المشدد بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. وفي يوم النطق بالحكم، أنا مروحتش، بس عرفت إنه كان واقف في القفص لوحده، مفيش حد معاه، لا زوجة، ولا أب، ولا أم، ولا عشيقة. خسِر كل حاجة في لحظة طمع.
أنا رفعت قضية طلاق للضرر وأخدت حقوقي بالكامل، ورجعت لشغلي وحياتي. بس المرة دي، وأنا معايا عيلة جديدة.. عم مصطفى وطنط هدى اللي صمموا إني أفضل عايشة معاهم وبقيت أنا بنتهم الحقيقية اللي بتراعي شيبتهم، وبقوا هما الأمان والسند ليا في الدنيا.
علمتني التجربة دي إن صفاء النية دايماً بيقود صاحبه لبر الأمان، وإن اللي بيحفر حفرة لأخوه (أو لمراته) بيقع فيها، ولو بعد حين. ربنا سبحانه وتعالى مبيرضاش بالظلم، ويمهل ولا يهمل.
