ركع قدام الجردل

ركع قدام الجردل عشان تسرق منه كل حاجة… وماكنتش تعرف إن 3 أسابيع من التسجيلات هيدمروها
الجزء الأول
لو ابنك ممضاش بكرة يا أم محمود… هوديكي دار مسنين، وأقسم بالله محدش حتى هيسأل عليكي.
سمع محمود عبد الرحمن الجملة دي أول ما فتح باب بيته.
ما نطقش ولا كلمة.
فضل واقف مكانه، وإيده لسه على مقبض الباب، والدم بيغلي في عروقه.
في منور البيت…
كانت أمه، الحاجة فاطمة، البالغة من العمر واحد وسبعين سنة، راكعة قدام جردل مية وصابون، هدومها مبلولة، وإيديها بترتعش، وشعرها لازق في وشها من المية الوسخة.
كانت بتدعك الأرض كأنها خدامة في بيتها.
وقدامها كانت دينا، مرات محمود، ماسكة خصلة من شعرها بمنتهى البرود.
وقالت باستهزاء
أيوه كده… ادعكي كويس… عشان تعرفي مقامك في البيت ده.
محمود اتحرك خطوة لقدام.
سيبيها.
دينا بصتله بهدوء.
ما اتوترتش…
بالعكس، ابتسمت كأنها كسبت رهان.
يا سلام… جيت بدري النهارده يا محمود. والدتك بس كانت بتتعلم ماتدخلش في اللي مالهاش فيه.
الحاجة فاطمة حاولت تقوم…
لكن رجليها زلقت بسبب الصابون.
جري محمود ولحقها قبل ما تقع.
همست له وهي بتحاول تمنعه
يا ابني… بلاش… ماتستاهلش.
الجملة دي وجعته أكتر من منظرها وهي راكعة.
لأن أمه عمرها ما كانت ضعيفة.
سنين وهي بتبيع أكل قدام السوق عشان تصرف عليه لحد ما خلص تعليمه.
ورعت

أبوه المريض لحد آخر نفس.
ولما والده، الحاج عبد الرحمن، توفى…
هي اللي أقنعته ما يبعش شركة المستلزمات الطبية الصغيرة اللي بناها والده.
ودلوقتي…
بقت بتعتذر لمجرد إنها موجودة.
عدلت دينا ضوافرها الحمرا الجديدة وقالت
بكرة عندنا معاد مع الشهر العقاري… هتمضيلي توكيل عام، وأنا هبقى المسؤولة عن الشركة والبيت… وأمك تروح أي مكان بعيد عننا.
بصلها محمود من غير ما يتكلم.
سبع سنين…
ودينا قدام الناس كانت الزوجة المثالية.
في التجمعات العائلية كانت تحضن الحاجة فاطمة وتناديها يا ماما.
وتجيب لها هدايا.
وتنزل صور على فيسبوك عن بر الوالدين، والعيلة، والنعمة.
لكن بين أربع حيطان…
كانت شخص تاني خالص.
كل يوم تقوله إنه من غيرها مايسواش حاجة.
وإنه حتى فاتورة الكهربا مش هيعرف يدفعها لوحده.
وإن أمه مخلياه لسه طفل صغير.
وكان ساكت.
مش لأنه جبان…
لكن لأنه كان مستني الدليل.
قال لها بهدوء
بجد فاكرة إني همضي؟
ضحكت ضحكة باردة وقالت
طبعًا هتمضي يا حبيبي… ولو ماعملتش كده، من بكرة هبدأ إجراءات الحجر على أمك، وهخليهم يثبتوا إنها فاقدة الأهلية. عندي دكاترة، وشهود، ومعارف… ومحدش هيصدق كلام ست كبيرة يقولوا إنها مش واعية.
الحاجة فاطمة وطّت راسها.
وفي اللحظة دي…
محمود فهم إن دي ماكنتش مجرد زوجة طماعة.
دي كانت خطة متكاملة.
هي مش عايزة فلوسه وبس…
هي عايزة تقتلع أمه من حياته.
رفع عينه ناحية جهاز صغير فوق باب المنور.
كان فيه لمبة حمرا بتنور وتطفي.
دينا كانت فاكرة إنه حساس دخان.
لكنها ماكنتش تعرف…
إنه كاميرا مراقبة بتسجل بالصوت والصورة.
ومن تلات أسابيع…
وهي بتسجل كل تهديد، وكل إهانة، وكل مكالمة.
وكمان ماكنتش تعرف…
إن محمود، قبل ما يرجع البيت الصبح، كان سلّم أول بلاغ لمحاميه.
صرخت وهي شايفة محمود بيساعد أمه تقوم
بكرة يا محمود… يا تمضي، يا الست دي عمرها ما هتنام في البيت ده تاني!
محمود ما ردش.
كل اللي عمله…
إنه حضن أمه بقوة.
لأنه كان عارف…
إن اللي جاي، هيقلب حياة دينا كلها رأسًا على عقب.
ركع قدام الجردل عشان تسرق منه كل حاجة… وماكنتش تعرف إن 3 أسابيع من التسجيلات هيدمروها
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
القصة كاملة اول التعليق بعد سنة…
كانت الشركة كبرت بشكل ملحوظ، ومحمود فتح فرع جديد باسم والده الراحل عبد الرحمن.
وفي يوم الافتتاح، كانت الحاجة فاطمة قاعدة في الصف الأول، وكل العاملين واقفين يصفقولها.
استغربت وقالت
يا ابني… أنا معملتش حاجة.
ابتسم محمود، ومسَك الميكروفون وقال
كل اللي أنا وصلتله النهارده بدأ من ست باعت أكل قدام السوق عشان ابنها يتعلم. النجاح ده مش باسمي… النجاح باسم أمي.
القاعة كلها وقفت تصفق، والحاجة فاطمة نزلت دموعها وهي بتردد
الحمد لله… الحمد لله.
في نفس الوقت…
كانت دينا بتلف على مكاتب المحامين تحاول تخرج نفسها من القضايا، لكن التسجيلات والشهود كانوا كافيين يثبتوا كل اللي عملته.
وكل محامي كان يقول لها نفس الجملة
لو كنتِ عاملتيها باحترام، مكانش ده بقى مصيرك.
بعدها بأيام…
محمود اشترى لأمه بيتًا صغيرًا فيه جنينة، كانت طول عمرها بتحلم بيها.
زرعت فيه ياسمين وفل، وكانت كل صباح تسقي الزرع بنفسها وهي مرتاحة البال.
وفي إحدى الأمسيات، قالت له
فاكر يا محمود لما كنت صغير، وكنت أقولك إن ربنا بيمهل الظالم لكنه ما بيهملوش؟
ابتسم وهو يقبّل رأسها وقال
دلوقتي فهمت معنى كلامك يا أمي.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا وقال
ده مكتب جديد في الشركة… مكتوب على بابه مكتب الحاجة فاطمة. كل قرار مهم مش هيطلع غير بعد ما أشرب معاكي فنجان شاي فيه.
ضحكت لأول مرة من قلبها منذ سنوات.
وقالت
أنا مش عايزة مكاتب ولا فلوس… أنا عايزة أشوفك بخير.
رد محمود
وأنا بخير طول ما إنتِ بخير.
وهكذا انتهت أصعب مرحلة في حياتهما، وبقيت قصتهما دليلًا على أن برّ الأم لا يضيع، وأن من يحاول إذلال الناس طمعًا في المال، قد يخسر المال والكرامة معًا، بينما يبقى الاحترام هو أغلى ما يملكه الإنسان مرت ثلاث سنوات…
وفي صباح هادئ، كان محمود جالسًا في مكتبه يراجع بعض الأوراق، عندما دخلت السكرتيرة وقالت بتردد
أستاذ محمود… في واحدة برة مصممة تقابلك، وبتقول إن الموضوع مهم
لمحة نيوز

جدًا.
رفع رأسه وقال
مين؟
قالت
مدام دينا.
سكت لحظة، ثم قال
خليها تدخل.
دخلت دينا، لكن لم تكن هي المرأة المتكبرة التي عرفها.
ملابس بسيطة، وملامحها مرهقة، وعيناها مليئتان بالندم.
وقفت أمامه وقالت بصوت منخفض
أنا مش جاية أطلب منك فلوس… ولا أرجعلك… أنا جاية أطلب السماح.
نظر إليها محمود بهدوء ولم يتكلم.
أكملت وهي تبكي
خسرت كل حاجة… الناس اللي كنت فاكرة إنهم سندي اختفوا… وأول ما فلوسي راحت، الكل باعني. عرفت وقتها قيمة البيت اللي أنا هدمته بإيدي.
ظل محمود صامتًا لثوانٍ، ثم قال
السماح بينك وبين ربنا… أما حقي أنا، فقد سامحتك من زمان. لكن حق أمي… ده هي صاحبة القرار فيه.
في تلك اللحظة…
دخلت الحاجة فاطمة، فقد كانت قد جاءت لزيارة ابنها.
رأت دينا، فعرفتها فورًا.
اقتربت دينا منها وهي تبكي، وانحنت لتقبل يدها.
لكن الحاجة فاطمة رفعتها برفق وقالت
متبوسيش إيدي… لو كنتِ احترمتيني وأنا قوية، ماكنتيش جيتي تعتذري وأنا كبيرة في السن.
انفجرت دينا في البكاء.
وبعد لحظات من الصمت، قالت الحاجة فاطمة
أنا مسامحاكي لوجه الله… مش عشانك، لكن عشان أفضل مرتاحة وأنا أقابل ربنا. لكن افتكري طول عمرك إن الكرامة عمرها ما كانت رخيصة.
خرجت دينا وهي تبكي، لكن هذه المرة كانت تحمل درسًا لن تنساه أبدًا.
أما محمود، فابتسم وهو ينظر إلى أمه، وقال
كنتِ طول عمرك أقوى واحدة أعرفها.
ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت
القوة مش إنك تنتقم… القوة إنك تقدر تسامح لما تبقى قادر تعاقب.
وانتهت القصة، لكن بقيت سيرتها تتردد بين كل من عرفها، لأن احترام الوالدين لا يشتريه مال، ولا يهدمه ظلم بعد عدة أشهر…
في إحدى الليالي، رن هاتف محمود برقم غريب.
رد بهدوء
ألو؟
جاءه صوت رجل كبير في السن
أستاذ محمود؟ أنا مدير دار رعاية… وفي سيدة اسمها دينا موجودة عندنا من أسبوع، وطلبت أشوفك قبل ما نسافر بيها للمستشفى.
اتجمد محمود في مكانه.
راح الدار، ولما دخل لقاها قاعدة في هدوء، ملامحها شاحبة جدًا.
بصت له وقالت
عارف يا محمود… أكتر حاجة كانت بتخوفني زمان إني أدخل دار مسنين. وكنت بهدد بيها والدتك… وربنا ورّاني قد إيه كان قلبي قاسي.
سكتت لحظة، ثم طلعت ظرف من شنطتها.
ده كل اللي فاضل معايا… مذكرات كتبت فيها كل أخطائي، ووصيتي إن أي فلوس أو حاجات باسمي تتبرع بيها لدار رعاية كبار السن. يمكن ربنا يغفرلي.
أخذ محمود الظرف دون أن يفتحه.
وقال بهدوء
التوبة بابها مفتوح، وربنا أرحم من كل الناس.
بعد أيام…
علم أن دينا بدأت حياة جديدة، بعيدة عن الطمع والصراعات، تقضي وقتها في خدمة كبار السن ومساعدة المحتاجين.
ولما عرفَت الحاجة فاطمة بذلك، رفعت يديها للسماء وقالت
يا رب، كما أصلحت حال ابني، أصلح حال كل إنسان أخطأ ورجع إليك.
ابتسم محمود وقال
يمكن دي تكون النهاية اللي ربنا كان كاتبها… إن كل واحد يتعلم من غلطه.
ومن يومها، أصبح محمود يردد لكل موظف جديد في شركته
النجاح الحقيقي مش في الفلوس… النجاح الحقيقي إنك ترجع بيتك، وما يكونش في رقبتك دمعة مظلوم أو وجع قلب أم.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما انتصر الحق، وعاد لكل إنسان حقه وكرامته، وبقي الدرس أن الظلم قد يطول، لكنه لا يدوم بعد خمس سنوات…
أصبحت شركة عبد الرحمن من أكبر شركات المستلزمات الطبية في المحافظة، وأصبح اسم محمود معروفًا بالأمانة قبل النجاح.
وفي يوم من الأيام، دخل عليه شاب صغير في أوائل العشرينات، وقال
أستاذ محمود… أنا جاي أشتغل عندك.
ابتسم محمود وسأله
معاك خبرة؟
رد الشاب وهو مطأطئ رأسه
لا… لكن معايا دعوة من أمي، وهي قالتلي روح لمحمود عبد الرحمن، ده عمره ما يكسر بخاطر حد.
ابتسم محمود، وتذكر أمه، وقال
تبدأ من بكرة إن شاء الله.
وفي المساء…
عاد إلى البيت، فوجد الحاجة فاطمة جالسة في الحديقة، تقرأ القرآن.
اقترب منها وجلس عند قدميها كما كان يفعل وهو طفل.
ابتسمت وقالت
مالك يا محمود؟
قال وهو يضحك
افتكرت يوم لقيتك راكعة قدام جردل المية… وافتكرت إني وقتها كنت هموت من القهر.
ربتت على كتفه وقالت
لو كنا انتقمنا وقتها، كان وجعنا فضل جوانا. لكن ربنا خد حقنا بطريقة أحسن.
وفي تلك اللحظة…
سمعوا طرقًا على الباب بعد عامين…
في صباح يوم جمعة، كانت الحاجة فاطمة تجلس في حديقة البيت، تمسك مسبحتها وتردد الأذكار، بينما كان أحفاد محمود يلعبون حولها ويضحكون.
ناداها محمود
يا أمي… فاكرة زمان لما كنتِ بتقولي إن الخير بيرجع لصاحبه؟
ابتسمت وقالت
أهو ربنا ورّاهولك بعينك.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد الموظفين مسرعًا.
أستاذ محمود… في راجل كبير واقف برة، وبيقول معاه أمانة لازم يسلمهالك.

خرج محمود إليه.
كان رجلًا في السبعين من عمره، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال
أنا كنت محاسب عند والدك الله يرحمه. قبل وفاته سلمني الصندوق ده، وقالي لو حصل لي حاجة، سلمه لابني لما تحس إنه بقى راجل يقدر يشيل الأمانة.
فتح محمود الصندوق، فوجد دفترًا قديمًا بخط والده.
وكانت أول جملة فيه
يا محمود… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. افتكر دايمًا إن الشركة دي ما اتبنتش بالفلوس… اتبنت بدعوات أمك، وتعبها، وصبرها.
لم يتمالك نفسه، وانهمرت دموعه.
احتضن الدفتر، ثم ذهب إلى أمه وقبّل رأسها.
قال لها
أبويا كان عارف إنك سبب كل خير في حياتنا.
ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت
الفضل كله لله يا ابني.
وفي مساء ذلك اليوم، قرر محمود إنشاء مؤسسة خيرية
باسم والديه، تساعد الأرامل وكبار السن، وتوفر العلاج لغير القادرين.
وعُلقت عند مدخل المؤسسة لافتة كتب عليها
من رحم التعب يولد الأمل، ومن برّ الوالدين يفتح الله أبواب الرزق.
وأصبحت قصة الحاجة فاطمة تُروى لكل من يعمل في المؤسسة، لا كقصة عن الظلم فقط، بل كقصة عن الصبر، والكرامة، وأن دعوة المظلوم لا تضيع عند الله.
تمت بحمد الله بعد افتتاح المؤسسة الخيرية بستة أشهر…
كان محمود يتفقد الأقسام بنفسه، وفجأة لمح وجهًا

مألوفًا بين السيدات الكبيرات في قاعة الانتظار.
اقترب ببطء…
ولما بصت له، عرفها فورًا.
كانت أم دينا.
كبرت في السن جدًا، وكانت تجلس على كرسي متحرك.
أول ما شافته، بدأت تبكي وقالت
يا ابني… أنا جاية أطلب منك طلب واحد.
قال باحترام
اتفضلي يا خالتي.
قالت وهي تمسح دموعها
بنتي دينا توفت من شهر… قبل ما تموت كانت كل يوم تقول لي لو شوفتي محمود أو الحاجة فاطمة، قولي لهم يسامحوني.
سكت محمود، وتأثر بالكلام.
ثم سألها
كانت عاملة إيه في آخر أيامها؟
ردت الأم
كانت بتخدم كبار السن في دار الرعاية من غير ما تاخد جنيه واحد… وكانت تقول يمكن ربنا يغفرلي بسبب خدمة ناس كنت زمان بهدد واحدة زيهم.
خفض محمود رأسه، وقال
ربنا يرحمها ويغفر لها.
وفي المساء…
حكى لأمه كل ما حدث.
رفعت الحاجة فاطمة يديها وقالت
اللهم إن كانت تابت توبة صادقة، فاغفر لها وارحمها، فأنت أرحم الراحمين.
ثم نظرت إلى محمود وقالت
يا ابني… الإنسان ممكن يغلط، لكن أحسن الناس هو اللي يرجع عن غلطه قبل ما يقابل ربنا.
ابتسم محمود وقال
الحمد لله إن النهاية كانت فيها عبرة لكل واحد.
ومنذ ذلك اليوم، وضع محمود في مدخل المؤسسة لوحة صغيرة كُتب عليها
لا تؤجل الاعتذار، ولا تؤجل رد المظالم، فربما يأتي يوم لا تملك فيه إلا الندم.
وأصبحت هذه العبارة يقرأها كل من يدخل المؤسسة، لتبقى رسالة بأن الظلم مهما طال، فإن العدل والرحمة والتوبة الصادقة تظل أعظم ما يتركه الإنسان بعده بعد رحيل الحاجة فاطمة بعشر سنوات…
كان محمود كل يوم جمعة يزور قبرها، يقرأ القرآن، ويدعو لها، ثم يذهب مباشرة إلى المؤسسة الخيرية التي تحمل اسمها.
وفي أحد الأيام، وجد شابًا يقف عند الباب، يحمل في يده ملفًا قديمًا.
قال الشاب
حضرتك الأستاذ محمود؟
أيوه.
أنا حفيد الست اللي كانت بتشتغل مع الحاجة فاطمة في السوق من أكتر من أربعين سنة.
استغرب محمود وقال
خير؟
فتح الشاب الملف، وأخرج صورة قديمة باهتة.
كانت للحاجة فاطمة وهي تقف أمام عربية صغيرة تبيع عليها الطعام، وإلى جوارها طفل صغير لا يتجاوز العاشرة…
كان محمود.
ابتسم وهو يمسك الصورة بيد مرتعشة.
وقال الشاب
جدتي قبل ما تتوفى قالتلي الصورة دي لازم توصل لمحمود، عشان يفضل فاكر منين بدأ.
دمعت عينا محمود.
ولأول مرة منذ سنوات، بكى كما بكى يوم رأى أمه راكعة أمام جردل الماء.
نظر إلى الصورة طويلًا وقال
سبحان الله… الناس فاكرة تعبي، وأنا كنت فاكر إن الزمن نسي.
علق الصورة في المدخل الرئيسي للشركة، وكتب تحتها
من هنا كانت البداية… فلا تنسوا البدايات إذا فتح الله عليكم.
وأصبح كل موظف جديد يقف أمامها قبل استلام عمله.
وكان محمود يحكي لهم قصة الصورة، ويختم دائمًا بقوله
لو شفتوا حد ضعيف… سندوه. ولو شفتوا أمًا كبيرة في السن… احترموها. ولو ربنا وسّع عليكم… افتكروا الأيام اللي كنتم محتاجين فيها.
لأن الإنسان لا يقاس بما يملك…
بل بما يتركه من أثر طيب في قلوب الناس.
النهاية الحقيقية. مرت السنوات…
ورحل محمود بعد عمرٍ طويل، بعدما أوصى أبناءه وأحفاده بثلاث وصايا فقط
لا تظلموا أحدًا، ولا تكسروا قلب أم، واجعلوا جزءًا من رزقكم للفقراء.
نفذ أبناؤه وصيته كما نفذ هو وصية أمه.
وبقيت الشركة تحمل اسم والده، وبقيت المؤسسة الخيرية تحمل اسم الحاجة فاطمة، يخرج منهما الخير كل يوم، وكأن دعواتها ما زالت تبارك المكان.
وفي أحد الأيام، وقف حفيده الأكبر أمام صورة الحاجة فاطمة المعلقة في مدخل المؤسسة، وسأله ابنه الصغير
مين الست دي يا بابا؟
ابتسم وقال
دي ست علمتنا إن الكرامة أغلى من المال، وإن الصبر عمره ما يضيع عند ربنا.
ثم أمسك بيد ابنه، ودخلا ليقدما الطعام للمحتاجين، كما كانت تتمنى هي دائمًا.
وهكذا انتهت حكاية بدأت بدموع أم راكعة أمام جردل ماء، وانتهت بدعوات آلاف المحتاجين الذين وجدوا من يمد لهم يد العون.
فقد انتصر الحق، وسقط الظلم، وبقي الأثر الطيب هو الشيء الوحيد الذي لا يموت.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *