حكايات روماني مكرم 1
تعال شوف العانس اللي فتحت لها بيتي وجاي أستر عليها، بتتطاول عليا إزاي وبترفع صوتها في وشي عشان حتة خشبة! بدل ما تبوس إيدك وش وضهر إن جيلها راجل يلمها!” أبويا بص لي بغضب وقال: “جرى إيه يا سحر؟ اخص عليكي يا بنت، الراجل ضيفنا وفي بيتنا، اتأسفي لخطيبك حالاً!” في اللحظة دي، حسيت بسكــ,,ـــــينة غريبة نزلت عليا. الوجع اللي كان في قلبي تحول لحديد. بصيت لأبويا بدموع حبساه بالعافية، وبعدين لفيت لسامح وقلت بصوت ثابت زلزل القعدة: “أتأسف لمين يا بابا؟ للراجل اللي جاي يشترينا بالرخيص؟
للراجل اللي بيمشي في الحارة يقول إنه عاطف عليا وستر عليا، وهو أصلًا يدور على خدامة ببلاد الفلوس تجيب جهازها من جيبها وتخدم عياله وتغسل رجليه وتستحمل إهانته؟” سامح وشه جاب ألوان وشاط غضب: “أنا ماشي يا حاج، وبنتك دي مش تلزمني، دي وحدة جاحدة ومش وش نعمة، وبكرة تلف حولين نفسك وتترجاني عشان أرجع ألمها ومش هتلاقي اللي يرضى بيها!” مسكت الشنطة بتاعته اللي كانت على الترابيزة، ورميتها تحت رجليه عند الباب وقلت له: “الباب يفوت جمل يا سامح..
وعفشك القديم وأوهامك إنك سي السيد خليهم ينفعوك، ووريني مين اللي هتستحمل جفاك وتيجي تخدم عيالك وتدفع من جيبها كمان!” خرج سامح وهو بيبرطم وبيخبط الباب وراه بقوة هزت الشقة كلها. أمي قعدت تلطم على خدودها: “يا لهوي يا سحر! عملتي إيه يا خايبة؟ حطمتي جليتك بإيدك! الناس هتقول إيه؟ طفشت الراجل بعد ما اتفقنا وكل حاجة جهزت؟ الفرح فاضل عليه شهرين!” وأبويا قعد على الكرسي وهو بيتنفس بصعوبة وزعلان مني جداً: “ضيعتي فرصة عمرك يا سحر، مين هيجيلك تاني في السن ده؟” قعدت تحت رجلين أبويا، ومسكت إيده وقلت له بنبرة مليانة عزيمات:
“يا بابا، جوازة تكسر كرامتي وتهين أهلي وتخليني خدامة متهانة مش عاوزاها. ربنا خلقني مكرمة، والـ35 سنة دول مش عار، العار هو إني أعيش مع راجل يفكّر إنه بيستر عليا وهو بيذلني كل يوم.” عدت أيام صعاب جداً. الشقة اللي كانت مليانة حس وفرحة بقت كئيبة. الأجهزة اللي اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي كانت ملفوفة ومتركومة في الأوضة تذكرني كل لحظة باللي حصل. كلام الناس والقرايب بدأ يشتغل زي السوس: “سحر طفشت الراجل عشان كبرت وعقلها ضــ,,ـــــرب”، “سحر استكبرت على العفش وسابت الأيتام”. كل كلمة كانت بتمر عليا كنت ببلعها وأسكت، بس جوايا كان في جرح تاني خالص خالص..
عيال سامح! يوسف ومريم وسيف.. الأطفال دول كانوا دخلوا قلبي بجد. كنت بفكر فيهم كل ليلة، يا ترى مين بيلبسهم؟ مين بيعملهم الأكل؟ مين بياخدهم في حــ,,ـــــضنه لما يخافوا بالليل؟ سامح كان بيسيبهم بالساعات عشان شغله وكان يعتمد عليا حتى قبل الجواز أراعي طلباتهم. بعد أسبوعين من قطع الجوازة، وفي يوم كنت راجعة فيه من شغلي في الحضانة، لقيت مريم الصغيرة -عندها 6 سنين- قاعدة على السلم جنب باب عمارتنا، هدومها مش نظيفة، وعينيها حمرة من العياط. أول ما شافتني، قامت جرت عليا واترمت في حــ,,ـــــضني وهي بتصرخ وتعيش في بكاء هستيري: “ماما سحر! تعالي معايا والنبي..
بابي زعلان وطول الوقت بيزعق لنا، ويوسف مش راضي يأكل وسيف عيان ومفيش حد معانا في البيت!” قلبي اتخلع من مكانه. شلتها في حــ,,ـــــضني ونزلت لمستواها، وجبت لها عصير وتهديتها، وعرفت منها إن سامح جاب شغالة في البيت تتولى أمورهم، بس الشغالة كانت بتعاملهم بقسوة وبتسيبهم لوحدهم وتخرج، وسامح مش فاضي لهم وطول الوقت متعصب ويدور على حد يشيل عنه الهم ده. ومريم هربت وجت لي المشوار ده كله لوحدها عشان عارفة طريق بيتي! خدت مريم في إيدي وركبت معاه تاكسي ورجعتها لبيت سامح.
أول ما فتحت الباب، لقيت الشقة مقلوبة رأسًا على عقب، ريحة الأكل المحروق طالعة، ويوسف قاعد في الزاوية بيعيط، وسيف الصغير حرارته مرتفعة وجسمه بيلعلع نــ,,ـــــار. سامح خرج من أوضته بقميص مبهدل ووشه متكدر، أول ما شافني مع مريم، عينيه وسعت، وبدل ما يشكرني إن رجعت بنته اللي كانت ضايعة، اترسمت على وشّه ابتسامة غرور وسخرية جديدة! اتعدل في وقفته وقفل إيديه وقال ببرود يفرس: “أهلاً أهلاً.. أهو البوم يجيب بعضه! أدي أنتِ جاية زاحفة على بطنك أهو يا سحر، مش قادرة تستغني عن العيال ولا قادرة تعيشي من غير ما تصدقي إن في بيت هيدخلك!
جاية تحنسي وتجيبي البت حجة عشان ترجعيلي؟” بصيت له بمنتهى القرف، وبصيت للأطفال اللي كانوا ماسكــ,,ـــــين في طاقيتي ومستخبيين ورايا من أبوهم. قربت منه خطوتين بكل ثبات، وقلت له بصوت واطي بس يرعب: “أنا جيت هنا عشان مريم جاتلي دموعها مغرقة وشها، وجيت عشان سيف اللي بيمــ,,ـــــوت من السخونية وأنت قاعد زيك زي القتيل مش حاسس بعيالك! أنا جيت عشان النخوة والرحمة اللي أنت ما تعرفش عنهم حاجة، مش عشانك يا سامح.. أنت بالذات لو آخر راجل في الكون، أنا ما أشرفنيش حتى أمسح جزمتك!” سامح اتصدم وتراجع خطوة لورا ووشه احمر من الكسفة: “أنتِ..
أنتِ بتكلميني كده في بيتي؟!” رديت عليه بكل قوة وأنا بمسك إيد سيف وأقيس حرارته: “بيتك اللي ملوه القسوة والخراب؟ عيالك دول أمانة ربنا هيحاسبك عليها، وأنت كل اللي فارق معاك كبرياءك الفارغ! العيال دول يلزموني وبحبهم، بس أنت؟ أنت ولا حاجة! ودلوقتي هطلب الدكتورة لسيف، وهدفع كشفها من جيبي، مش عشانك.. عشان ربنا، وبعدها مش هتشوف وشي تاني أبدًا، ووريني بقى كبرياءك هيعمل إيه مع عيالك الأيتام دول لما تلاقيهم ضاعوا منك!”