حكايات روماني مكرم ٢
كان واقف في الزاوية زي التلميذ الخايب اللي مستني العقاب، مش قادر يحط عينيه في عينيا.بعد ما سيف هدي وحرارته نزلت ونام في حــ,,ـــــضني، ومريم ويوسف أكلوا الساندوتشات اللي كانت معايا وتشربوا لبن دافي وناموا على الكنبة، لفيت لسامح. قعدت على الكرسي وبصيت له بكل قوة وشموخ وقلت له: “أدي العيال هديوا وناموا يا سامح. تقدر تاخدهم وتروح، والأزمة عدت.” سامح قرب مني، ووقع على الكرسي اللي قدامي، وحط وشه بين إيديه وبدأ يعيط بدموع حقيقية.. دموع راجل عرف قيمة النعمة بعد ما ضاعت من إيده. رفع وشه وقال بصوت مكسور: “أنا كنت غبي يا سحر..
كنت فاكر إن الفلوس والعفش والرجولة بالصوت العالي والتحكم.
كنت فاكر إنك عشان وصلتي لـ35 سنة تبقي مكسورة وجاية لي حافية، ما عرفتش إنك جوهرة وأصيلة وبنت بنوت كرامتك بالدنيا. الشقة من غيرك خرابة، والعيال بيمــ,,ـــــوتوا كل يوم في بعدك، وأنا.. أنا اكتشفت إني ولا حاجة من غيرك يا سحر. أنا بطلب إيدك تاني.. ومش شرط أجهزة، أنا هبيع عفشي القديم كله، وهجيب لك جديد من الإبرة للصاروخ، وهكتب الشقة باسمك لو عاوزة، بس ارجعي لي وللأطفال دول!” ساد الصمت في الاوضة.. صمت ثقيل كان صوت المطر برة هو الوحيد اللي بيقطعه. بصيت لسامح طويلًا.. شفت الراجل اللي أهانني واستهان بيا، وشفته وهو مكسور تحت رجلي بيترجى المنسية.
حسيت بانتصار كرامتي اللي اتداس عليها، وعرفت إن الحق رجع لي والاعتبار اترد لي قدام نفسي وقدام الدنيا كلها. بس السؤال اللي كان بيلف في دماغي وقتها: هل الأسف والانكسار ده كفاية؟ هل الراجل اللي طبعة القسوة والغرور بيتغير بجد في لحظة ضعف، ولا دي مجرد زوبعة عشان محتاج خدامة لعياله ولما الشدة تزول يرجع لطبعه القديم؟ والعيال دول.. العيال اللي بقوا قطعة من قلبي، هل هضحك بعمري وكرامتي تاني عشان خاطرهم، ولا خلاص الصفحة دي انطوت بلا رجعة؟ وقفت من مكاني، وبصيت له بنظرة حادة وباردة، وقلت له الكلمة اللي هزت كيانه…
وقفت من مكاني، وبصيت له بنظرة حادة وباردة، وقلت له الكلمة اللي هزت كيانه: “الكلام ده متأخر أوي يا سامح.. متأخر بعد ما جرحتني في كرامتي وشرفي، وبعد ما افتكرت إن السن عيب والستر تفضل منك. مش سحر اللي ترجع عشان كلمة أسف قيلت في لحظة زنقة!” سامح اتنفض من مكانه وكأنه انضــ,,ـــــرب بسوط، وبص لي بذهول ورجاء: “يا سحر عشان خاطر الأطفال.. الأطفال دول ملهمش ذنب، أنتِ شفتِ مريم كانت عاملا إزاي وسيف اللي بين يديكي!
أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها، أكتب لك مؤخر، أغير العفش، أعتذر لأبوكي وأمك قدام العيلة كلها ويمسحوا بيا الأرض، بس ما تتخليش عنا!” بصيت للأطفال وهم نايمين في دفء الحضانة، ودمعة سخنة نزلت من عيني رغماً عني. الأطفال فعلاً ملهمش ذنب، بس أنا كمان ماليش ذنب أعيش طول عمري خايفة إن القسوة والغرور يرجعوا يطفوا على الوش تاني أول ما الشدة تزول والمريض يشفى. قلت له بصوت هادي بس أثقل من الجبال: “العيال دول في عينيا يا سامح، وسيف مش هيمشي من هنا غير لما حرارته تنزل تماماً ويبقى زي الفل. لكن أنا وأنت؟ الموضوع ده مقفول.
أنت جيتلي وأنا شارياك وبحب عيالك، فعملت فيها سي السيد واستقويت عليا بقلة حيلتي وسني. ودلوقتي جيتلي وأنت مكسور ومحتاج، عاوزني أرجع عشان تحل مشكلتك مش عشان عرفت قيمتي بجد.” سامح حط وشه بين إيديه وقعد على الكرسي ينهد بكسرة: “والله العظيم عرفت قيمتك يا سحر! أنا من يوم ما خرجتي من البيت والشقة أظلــ,,ـــــمت. كنت بقعد بالليل أفتكر كلامي المستفز وضحكتي الغبية وأقول لنفسي أنا إزاي كنت بالأذى ده؟ أنا كنت فاكر إن الجواز مساومة ومكسب وخسارة، بس لما شفتك بتراعي سيف ودموعك نازلة عليه، عرفت إنك النعمة اللي ربنا بعتهالي وأنا بجهلي رفستها برجلي.” فضلنا قاعدين للصبح..
هو قاعد في زاوية الأوضة مكسور، وأنا حاطة سيف في حــ,,ـــــضني وبتابع حرارته وشربته دواء كل بضع ساعات. مريم ويوسف صحوا على الفجر، وأول ما مريم فتحت عينيها وشافتني، ابتسمت وربطت إيديها حوالين رقبتي: “ماما سحر.. أنتِ جاية تعيشي معانا خلاص؟ الشقة وحشة أوي وبابي مش بيعرف يعملنا فطور حلو زيك.” بست رأسها وقلت لها: “يا حبيبتي أنا معاكم وفي ظهركم دايماً، ومفيش حاجة تقدر تبعدني عنكم.” لما الشمس طلعت والدنيا نورت، سيف فتح عينيه ورجعت له ضحكته الصغيرة. سامح قام وقف، وشكل وشّه كان متغير، التعب والانكسار باينين عليه، بس كان فيه حاجة جديدة في عينيه..
تقبل للمسؤولية ونظرة احترام حقيقية ليا. قال بصوت خافت: “أنا متشكر يا سحر.. متشكر إنك أنقذتي ابني ومنعتي البيت إنه ينهار أكتر من كده. أنا هاخد العيال وأمشي، ومش هضغط عليكِ تاني، بس وحياة العيال دول عندك، فكري تاني.. أنا مش طالب منك سامحيني النهاردة، أنا طالب منك تديني فرصة أثبت لك إن سامح الجديد غير الراجل اللي أهانك.” خد الأطفال ومشي، ويوسف ومريم كانوا بيبصوا لي من ورا الدفة وينادوا عليا. رجعت بيتنا وأنا جسمي مهدود من السهر، بس عقلي شغال مش بيبطل تفكير. أول ما دخلت، أمي استقبلتني وهي بتسأل بلهفة:
“كنتِ فين يا سحر طول الليل؟ الحضانة كان فيها إيه؟” حكيت لأمي وأبويا كل اللي حصل بالحرف، من أول ما سامح جه الحضانة مبلول ومكسور وبيترجى، لحد ما خرج ودموعه على خده. أبويا قعد يسمعني وهو ساكت، وبعد ما خلصت، حط إيده على ركبتي وقال بصوت حنون: “تربيتي يا سحر.. عفيفة وكريمة ومبتبعيش كرامتك بقرشين ولا بكلمة حلوة. بس يا بنتي، الراجل لما ينكسر قدام مراته أو خطيبته بالشكل ده ويقر بغلطه قدام أطفال، يبنى عليه. الراجل لما يعرف إن الله حق ويجي لحد عندك يستسمحك، يبقى شاف قيمتك بجد.” أمي كملت كلام أبويا وقالت:
“يا سحر يا بنتي، العيال دول يحبوكِ كأنك أمهم، والراجل عرف إن الله حق وذاق طعم البيوت من غير ست أصيلة. أنتِ أثبتِ نفسك وفرضتِ احترامك على الكل، والناس اللي كانت بتتكلم بقت بالبلدي بتاكل وشها من الخجل لما عرفوا إن سامح هو اللي جالك يترجاكي.” الأيام اللي بعد كده كانت مفاجأة متواصلة. سامح بدأ يغير كل حاجة فعلياً مش مجرد كلام. أول حاجة عملها، جه لحد بيتنا ومعاه أخته الكبيرة وراجل من كبارات العيلة. قعدوا مع أبويا، وسامح وقف قدام أبويا وأمي وقال بنبرة مكسورة قدام الكل: “أنا جاي أعتذر لكم عن كل كلمة طلعت مني.
أنا غلطت في حق سحر، وغلطت في حقكم، وافتكرت إن القرش والعفش بيبنوا بيوت، ونسيت إن أصل البنت وكرامتها هما الساس. أنا قدامكم أهو، مستعد لأي شرط تطلبوه، وسحر لو عاوزة تكتب الشقة باسمها أو نشتري عفش جديد بالكامل على حسابي من غير ما تحط مليم واحد، أنا موافق وممنون.” أبويا بص لي عشان يشوف رأيي، لكن أنا فضلت ساكتة. كنت عاوزة أشوف الأفعال مش مجرد الاعتذارات الفخمة قدام الناس. مرت أسابيع، وسامح بدأ يشتغل على الشقة. جاب عمال، وهد العفش القديم كله، ورمى كل حاجة تذكر بالشقة القديمة.
بدأ يدهن الشقة من جديد بألوان هادية، وطلب من أخته تاخدني أنا ومريم ويوسف نختار العفش والألوان اللي تعجبني على ذوقي الكامل، ومن غير ما يتدخل في جنيه واحد أو يتشرط! في نفس الوقت، كان بيجي الحضانة كل يوم بعد الشغل، يقف برة يستنى العيال، ويسلم عليا من بعيد لبعيد بمنتهى الأدب والاحترام، كأنه غريب بيطلب الرضا. كان يبعث لي مع مريم كل يوم وردة صغيرة ورسالة بخط إيده، يكتب فيها: “أنا بتعلم كل يوم إزاي أكون راجل يستاهلك يا سحر.”
الأطفال بقوا ييجوا الحضانة نظاف، فرحانين، يوسف درجاته في المدرسة اتحسنت أوي، ومريم بقت تضحك من قلبها وتقول لي: “بابا بقى بيضحك معانا يا ماما سحر، وبقى يقولنا إنك أنتِ البركة اللي ربنا بعتهالنا.” قلبي بدأ يلين، الجدار الثلجي اللي بنيته حوالين كرامتي بدأ يدوب قدام أفعاله الصادقة وتغيره الحقيقي. حسيت إن الله عز وجل رد لي اعتباري وزيادة، وإن الـ35 سنة دول ما كانوش تأخير ولا سوء حظ، كان كرم من ربنا عشان أرفع رأسي وآخد راجل عرف قيمتي بعد ما كان فاكر إنه بيمن عليا! وفي يوم، سامح جالي الحضانة لوحده في ساعة البريك.
وقف قدامي وهو ماسك علبة صغيرة فيها خاتم بسيط ورقيق جداً، وقال لي بنبرة خالية تماماً من الغرور القديم: “سحر.. الشقة جهزت بالعفش الجديد اللي اخترتيه، والأجهزة بتاعتك اللي اشتريتيها بفلوسك هي اللي هتتنقل وهتكون معززة مكرمة في بيتك. وأنا اتعلمت الدرس اللي مش هنساه طول عمري. أنتِ مش بس سترتي عيالي، أنتِ أحييتِ نفي من جديد وعلمتيني معنى الرجولة الحقيقية. هل تقبلي تبدأي معايا صفحة جديدة، ونكتب الكتاب بعد أسبوع؟” بصيت في عينيه، شفت الصدق والانكسار والاحترام اللي حلمت بيه كل ست. بصيت للشارع وشفت يوسف ومريم مستنيين برة ومسكــ,,ـــــين في بعض وبيطلعوا فيا بعيون مليانة أمل.
تنهدت من أعماق قلبي، وحسيت إن المرار اللي ذقته طول السنين اللي فاتت اتحول لحلاوة…