حكايات روماني مكرم ٣
تنهدت من أعماق قلبي، والدمعة اللي حبستها سنين طويلة نزلت على خدي، بس المرة دي ما كانتش دمعة قهر ولا وجع.. كانت دمعة ارتياح واسترداد حق. بصيت لسامح وقلت له بصوت هادي وواثق: “أنا موافقة يا سامح.. موافقة نبدأ صفحة جديدة، بس خذ بالك، الصفحة دي مكتوبة بشرط واحد ملوش تاني: الكرامة والاهتمام قبل الأكل والشرب والعفش. يوم ما تفكر ترجع لطباعك القديمة، مش هتلاقيني قدامك ولا حتى هتشوف طيفي.” سامح وشه أشرق، وعينيه أدمعت من الفرحة، وقال بنبرة صادقة هزت كيانه:
“والله العظيم يا سحر، لو قطعتي رقبتي مش هشوف منك غير كل احترام وتقدير، أنتِ صاحبة الفضل عليا وعلى عيالي، ومن النهاردة كلمة منك هي اللي تمشي في البيت.” خرجنا للعيال برة، أول ما يوسف ومريم شافوني ببتسم وسامح ماشي جنبي وهو طاير من الفرحة، جرو عليا وحــ,,ـــــضنوني بحرارة هزت الشارع كله. مريم صرخت بفرحة: “ماما سحر جاية معانا خلاص!”، ويوسف مسك إيدي وقال: “يا ماما سحر أنا هسمع الكلام والله ومش هعمل شقاوة تاني أبداً!”..
في اللحظة دي حسيت إن كل الوجع والمرار اللي عشته في سنتين الخطوبة والتعطل كان يهون عشان الأمل والضحكة اللي شفتها في عيون الأطفال دول. رجعت البيت وبشرت أبويا وأمي. الشقة عندنا اتملت زغاريد بعد طول صمت، وأبويا حــ,,ـــــضنني وقال: “يا بنتي أنتِ فرضتي احترامك بالأصول والعقل، والراجل اللي يجيلك مكسور ويتغير عشانك هو اللي يتأمن عليه.” بدأنا نجهز لكتب الكتاب والفرح. الأجهزة الكهربائية اللي كنت اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي، اتنقلت لشقة سامح، بس المرة دي اتنقلت بكرامة ومعززة، والعفش الجديد اللي اخترته على ذوقي وصل الشقة، بقت شقة ثانية خالص..
اتملت دفا وألوان مبهجة تطرد منها طيف الحزن والماضي. يوم كتب الكتاب، كانت المنطقة كلها بتتكلم، بس المرة دي بصيغة ثانية خالص. القرايب والجيران اللي كانوا زمان بيقولوا “سحر كبرت وعانس وارتضت بأي حاجة”، بقوا يقولوا: “شوفوا سحر عملت إيه في الراجل! خلت العزة والكرامة تاج على رأسها، والراجل جاب لها الشقة جديدة وعاملها كأنها عروسة عندها عشرين سنة!” ليلة كتب الكتاب كانت ليلة مشهودة. سامح جه مع عيلته وكبارات المنطقة، وكتبنا الكتاب في الصالة عندنا.
لما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، سامح قام من مكانه وقرب مني، وأمام أبويا وأمي والحضور كلهم، وطى على إيدي وباسها وباس رأسي وقال بصوت سمعه الكل: “حقك عليا يا سحر قدام ربنا والناس كلها، أنتِ ست البنات والبركة اللي دخلت بيتي.” أمي بكت من الفرحة، وأبويا رفع رأسه لفوق وهو حاسس إنه أدى أمانته وصان بنته. انتقلت لبيت سامح، ومن أول يوم، تبدلت الأحوال تماماً. الشقة اللي كانت زمان مكركبة وريحة الهم طالعة منها، بقت جنة هادية. بدأت أنظم حياة الأطفال؛ يوسف بقى يصحى بدري يروح مدرسته وهدومه مكويه ونظيفة، وأكله جاهز.
مريم بقيت أقعد معاها وأعلمها ورسمنا سوا في الأوضة الجديدة، وسيف الصغير بقى ينام في حــ,,ـــــضني كل ليلة وهو ماسك في ثوبي كأنه خايف أختفي. أما سامح؟ سامح اتغير تغير كلي وجزئي. بقى يرجع من شغله بدري، يجيب معاه طلبات البيت من غير ما أطلب، ويدخل المطبخ يساعدني في إعداد العشاء، ويشيل عني سيف لما يلاقيني تعبانة من شغل الحضانة. الكلام المستفز والضحك البارد اختفوا تماماً، وحل محلهم الكلام الطيب والاحتواء. بقى كل ما يبص لي يقول لي: “ربنا يخليكي ليا يا سحر، أنتِ غيرتي حياتي ورجعتيلي الروح.” بس هل كانت الحياة وردية ومفيش أي عقبات؟ لا طبعاً..
بعد شهرين من الجواز، بدأت تظهر عقبة جديدة ما كانتش في الحسبان.. أهل سامح، وتحديداً أخته الكبيرة “نادية”. نادية كانت متعودة في فترة يأس سامح وبعد وفــ,,ـــــاه مراته الأولى إنها هي اللي تمشي البيت وتتحكم في مصاريفه، وكانت بتاخد من سامح فلوس بحجة إدارة شؤون العيال، ولما أنا جيت واستلمت إدارة البيت كزوجة وأم، حست إن البساط اتسحب من تحت رجليها وأن النفوذ والفلوس اللي كانت بتاخدهم اتقطعوا. في يوم، كنت قاعدة في الشقة مع الأطفال بنعمل الواجبات، وسمعت الباب بيتفتح بقوة.
دخلت نادية وبنتها، ومن غير ما تسلم ولا تصبح، بصت في الصالة بنظرة تفحص وقرف، وقالت بصوت عالٍ ومستفز: “إيه ده يا سحر؟ العفش ده كله اتغير ليه؟ هو سامح لحق يجمع الفلوس دي كلها عشان يجدد لك الشقة وأنا أخت ه مش لاقية كفايتي؟ وبعدين الأكل اللي على الترابيزة ده مكلف أوي، أنتِ جاية تصرفي وتخلصي فلوس أخويا اللي تحوشت للأيتام دول؟” وقفت بكل ثبات، ورسمت ابتسامة هادية على وشي، وقلت لها: “أهلاً يا أم عبده، نورتي.
العفش ده أخوكي جابه بإرادته تقديرًا ليا ولبيته، والأكل ده من خير ربنا وخير أخوكي، وأنا ست البيت هنا وعارفة مصلحة العيال كويس أوي ومحدش بيخاف عليهم أكدي.” نادية وشها احمر، وقربت مني وقالت بنبرة حقد: “ست بيت إيه يا عين أمك؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتِ نسيتي إنك كنتِ عانس ومحدش راضي بيكي وأخويا هو اللي جالك ولمك من بيت أبوكي؟ بلاش تعيشي في دور الهانم، أنتِ هنا عشان تربي العيال دول وتخدميهم وبس!” في اللحظة دي، يوسف الصغير -اللي عنده 9 سنين- وقف قدام عمتو نادية وقال بصوت طفولي بس قوي:
عمتو بلاش تتكلمي مع ماما سحر كده! ماما سحر هي اللي بتراعينا وبتحبنا، وبابي بيحبها ومحدش يقدر يزعلها هنا!” نادية اتفاجئت من كلام يوسف، وصرخت فيه: “انت كمان بتتكلم يا ولد؟ أنتِ لحقتي تقسي العيال عليا يا سحر؟” وفي نفس اللحظة، باب الشقة اتفتح، ودخل سامح… سامح سمع آخر جملة من أخته، وشاف وشي الهادي والاطفال الواقفين حمايتي، وشاف أخته الواقفة بتزعق وتستفز. سامح بص لأخته بنظرة حادة جدًا وقوية، وقال بصوت هز الصالة: “جرى إيه يا نادية؟! أنتِ بتعملي إيه في بيتي وبترفعي صوتك على مراتي ليه؟!” نادية جرت عليه وتحولت نبرتها لمسكنة ومكر:
“تعال شوف يا سامح، مراتي المتربية الجديدة اللي جيبتها تعلّم العيال يقلوا أدبهم عليا، وبتقولي أنا ست البيت وأنتِ مالكيش دعوة! هي لحقت تنسى أصلها ونفسها؟!” سامح قرب من أخته، ومسكها من إيدها بصرامة وقوة عمره ما عملها قبل كده، وقال لها ونبرة صوته تقطع العرق والدم: “نادية! لحد سحر وخط أحمر! سحر دي الهانم بتاعة البيت ده، وهي صاحبة الفضل عليا وعلى عيالي، واللقمة اللي بناكلها والأمان اللي عايشين فيه ببركتها. اللي يقلل من قيمتها أو يفكر يذكرها بكلمة تضايقها، يبقى بيقلل مني أنا شخصيًا ومش عاوز أشوف وشّه في بيتي!” نادية اتصدمت، وبصت لأخوها بذهول:
“أنت بتطرد أختك عشان دي؟!” سامح رد بمنتهى الجدية: “أنا بوقف أي حد عند حده يحاول يخرب بيتي أو يهين مراتي، حتى لو كانت أختي. سحر دي اللي شالت عيالي في عز ما أنتِ وغيرك كنتوا بتتفرجوا علينا. اتفضلي يا نادية، ولما تعرفي تحترمي مراتي وست بيتي أبقي تعالي زورينا.” خرجت نادية وهي بتبرطم وتضــ,,ـــــرب رجلها في الأرض من الغيظ. وسامح قفل الباب وراها، ولف ليا وقرب مني، ومسك إيدي وأنا واقفة بصدمة من موقفه الشجاع والسريع. قال لي ونبرة صوته مليانة حنان وندم على الماضي: “سامحيني يا سحر..
أنا السبب إنهم يتجرأوا عليكي بالماضي، بس وحياة العيال دول عندي، محدش في الدنيا كلها هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا حي على وش الأرض.” مسكت إيده وابتسمت له، وحسيت إن الدائرة اكتملت. الراجل اللي كان زمان بيمارس عليا الاستعلاء، بقى النهاردة الدرع والسند اللي بيدافع عني قدام أهله وعيلته. لكن هل انتهت المشاكل عند كده؟ بعد أسبوعين من واقعة أخته، بدأت أحس بتعب مفاجئ، دوخة ودوار مستمر، وأمي أصرت أروح أكشف عند الدكتور. ولما طلعت نتيجة التحاليل، الدكتور بص لي ولأبويا وأمي وبشرنا بالخبر اللي هز كياني كله… أنا حامل!
الخبر نزل عليا زي الصاعقة الحلوة! أنا سحر، اللي كان الناس بيقولوا عليها عانس وقطار الجواز فاتها وراحت تربي أيتام الناس، ربنا بيعوضها وبيرزقها بطفل من صلبها في سن الـ 36! ولما رجعت البيت وأعلنت الخبر لسامح والأطفال… سامح طار من الفرحة وسجد على الأرض يبكي ويشكر ربنا، والعيال حــ,,ـــــضنوني وبقوا يرقصوا ويقولوا: “هيجيلنا أخ جديد من ماما سحر!” بس الفرحة دي فتحت باب جديد من التساؤلات والخوف في قلبي: يا ترى بعد ما خلف طفلي الخاص، هل معيتي وحبي للأطفال الأيتام دول هتتغير؟ هل سامح هيعمل تفرقة بين ابني الجديد وبين عياله من مراته الله يرحمها؟
وهل أهله وعيلته هيسيبونا في حالنا بعد ما يكتشفوا إن سحر بقت أم وليها عيل في البيت ورثت فيه كل حاجة؟ وقفت قدام مرايتي بليل، وبصيت لبطني وبصيت للعيال وهم نايمين في أوضتهم بسلام، وقلت لنفسي: “الرحلة لسه طويلة يا سحر، واللي قدرت تقف وتكسر الاستبداد وترجع حقها، هتقدر تحمي بيتها وعيالها كلهم من أي طوفان جاي…”
مرت شهور الحمل الأولى ثقيلة ومتعبة، بس الدفا اللي ملأ بيتي كان بيهوّن عليا كل وجع. سامح كان شايلني من على الأرض شيل، مش بيخليني أمد إيدي على حاجة في البيت، يجيب الأكل جاهز، ويقعد مع يوسف ومريم يراجع لهم دروسهم، ويرعى سيف الصغير عشان أستريح. العيال نفسهم كانوا طايرين بالفرحة؛ مريم كل يوم تحط إيدها الصغيرين على بطني وتكلم البيبي وتقول له: “اطلع بسرعة يا نونو عشان ألبسك وألعب معاك”، ويوسف كان بيتباهى قدام أصحابه في المدرسة ويقولهم: “ماما سحر هتجيب لنا أخ جديد!” بس في وسط الفرحة دي، كان في نــ,,ـــــار تحت التلج بتغلي..
أخت سامح “نادية” وقرايبه من ناحية مراته المرحومة ما يسكتوش. لما عرفوا بخبر الحمل، القيل والقال بدأ يزن في المنطقة تاني زي السوس: “سحر ذكية، ضحكت على الراجل وأخدت العفش والشقة، ودلوقتي جابت العيل اللي هيورث كل حاجة ويرمي العيال الأيتام في الشارع!”، “بكرة سحر تخلف وتفرق بين ابنها وبين عيال المرحومة، وتخليهم خدامين تحت رجلين ابنها!” الكلام ده كان بيوصلني عن طريق الجيران ونظرات القرايب في المناسبات.
بس أنا كنت ساكتة ومكبرة عقلي، وواثقة في ربنا وفي قلبي اللي اتعلق بالعيال دول قبل ما أعرف إني هكون أم.بالنسبة لي، يوسف ومريم وسيف مش عيال جوزي، دول ولادي اللي كبروا في قلبي قبل ما ألمسهم بأيدي، وهما الساس اللي اتبنى عليه بيتي. وفي يوم من أيام الشتا، وأنا في الشهر السابع، سامح كان في شغله بالليل، والجو كان مطر وهوا شديد يكتف العضم. كنت قاعدة مع العيال بنشرب سحلب دافي وبنلعب كوتشينة ونضحك. فجأة، سمعت خبط شديد ومستفز على الباب، خبط يخلع القلوب. قمت بالراحة وأنا سانده ضهري، فتحت الباب..