حكايات ندى الجمل ٢
بعد ما سعاد خرجت من الأوضة، أنا ومحمود فضلنا ساكتين.
هو كان واقف مكانه كأنه مش مستوعب اللي سمعه.
— أمي اشترت لنا شقة؟
قلت:
— أيوه.
— ومن شهرين؟
— أيوه.
قعد على الكرسي وحط إيده على وشه.
— وأنا كنت فاكر إنها بتكرهك.
بصيت له وابتسمت بحزن.
— وأنا كمان.
ضحك ضحكة قصيرة، وبعدين دموعه نزلت.
— عارفة أنا كنت بعمل إيه؟
— إيه؟
— كنت كل يوم أرجع من الشغل وأعد الفلوس اللي معايا، وأقول هجيب لبنتنا إيه، وأدفع الولادة إزاي، وأجهز الشقة إمتى.
بص لبنتنا.
— وكنت خايف أقولك إني مش قادر.
مسكت إيده.
— وأنا كنت خايفة أقولك إني خايفة.
بصلي.
— من إيه؟
— من إني أولد من غير أمي.
سكت.
— كنت كل ما أشوف واحدة أمها جنبها في المستشفى، أتخيل أمي.
دموعي نزلت.
— كنت نفسي حد يقولي ألبس إيه، أجهز إيه، أعمل إيه بعد الولادة.
محمود قرب مني.
— وأنا كنت فاكر إنك محتاجة فلوس.
هزيت رأسي.
— كنت محتاجة حضن.
سكت.
وبعدين باس إيدي.
— أنا آسف.
ابتسمت.
— خلاص.
لكن في اللحظة دي دخلت الممرضة وقالت:
— يا مدام سلمى، في ست كبيرة تحت بتسأل عنك.
— مين؟
— بتقول إنها قريبتك.
بصيت لمحمود.
— يمكن حماتي.
الممرضة هزت رأسها.
— لأ، مش والدته.
استغربنا.
— مين يعني؟
قالت:
— بتقول اسمها الحاجة فاطمة.
قلبي دق بسرعة.
الحاجة فاطمة؟
جارتنا القديمة؟
قلت:
— دخليها.
بعد دقائق دخلت ست كبيرة في السن، ماسكة شنطة قماش قديمة.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
— يا بنتي…
بصيت لها.
— حضرتك؟
قربت مني.
— أنا فاطمة. كنت ساكنة جنب أمك وأبوك زمان.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
— ماما؟
هزت رأسها.
— كنت أعرفهم كويس.
قعدت جنب السرير.
وبعدين طلعت من الشنطة ظرف قديم.
— أمك سايباه عندي من سنين.
اتجمدت.
— عندك؟
— أيوه.
مدتهولي.
— قالتلي: “لو حصل لي حاجة، ما تديهولهاش غير يوم ما تبقى أم.”
بصيت للظرف.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كان جواه جواب بخط أمي.
أول سطر خلاني أنهار:
“بنتي سلمى…”
ماقدرتش أكمل.
محمود قرب مني.
— أقرأه أنا؟
هزيت رأسي.
بدأ يقرأ:
“بنتي سلمى، لو إنتِ بتقري جوابي ده، يبقى ربنا رزقك باللي كنتِ نفسك فيه.
عايزة أقولك حاجة واحدة…
متفتكريش إن فقدان أبوكي وأمك معناه إنك بقيتي لوحدك.
إحنا ممكن نموت، لكن اللي زرعناه في قلوب الناس بيفضل.
خلي بالك من أخواتك، وخلي بالك من بيتك، والأهم… ما تخليش الخوف يخليكي تظلمي حد.
لو في يوم حسيتِ إن الدنيا قفلت، افتكري إن الرزق مش دايمًا بييجي في شكل فلوس.
ممكن ييجي في أخت.
ممكن ييجي في جوز بيحبك.
وممكن ييجي في ست كبيرة تقول كلمة غلط، لكن جواها قلب خايف عليك.
سامحي يا بنتي…
بس ما تسمحيش لحد يهينك.
كوني طيبة، لكن خلي عندك حدود.
وخلي بنتك تعرف إن أمها اتعلمت تكون قوية من غير ما تبقى قاسية.”
محمود وقف عن القراءة.
وأنا كنت بعيط بصمت.
الحاجة فاطمة قالت:
— أمك كانت عارفة إنها مش هتعيش لحد ما تشوفك أم.
بصيت لها.
— كانت عارفة؟
هزت رأسها.
— وكانت بتجهز حاجاتك من بدري.
فتحت الشنطة.
طلع منها بطانية صغيرة.
— دي أمك كانت عاملاها بإيديها.
حطيتها على بنتي.
أنا ما قدرتش أتكلم.
في اللحظة دي دخلت منى ونور.
أول ما شافوا الحاجة فاطمة، اتصدموا.
— الحاجة فاطمة!
ضحكت.
— لسه فاكرينني؟
منى جريت حضنتها.
— إنتِ كنتِ صاحبة ماما.
قالت:
— وأمكم كانت بتوصيني عليكم.
بصيت لأخواتي.
— ماما كانت موصية علينا؟
قالت:
— أيوه.
وبعدين قالت:
— وكانت عاملة حاجة تانية.
— إيه؟
— كانت سايبة مبلغ صغير.
محمود استغرب.
— فلوس؟
— أيوه.
قلت:
— فين؟
قالت:
— أبوكم كان سايب حساب في البريد، وأمكم كانت بتضيف عليه كل شهر مبلغ بسيط.
سألتها:
— الحساب لسه موجود؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— ليه محدش قال لنا؟
قالت:
— لأن أمك قالتلي ما أقولش غير لما واحدة فيكم تولد أول طفل.
أنا بصيت لبنتي.
وفهمت إن أمي، حتى وهي مش موجودة، كانت بتحاول تسيب لنا حاجة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن المبلغ ده كان كافيًا لحاجة واحدة بس.
مقدم الشقة.
بصيت لمحمود.
هو بصلي.
قال:
— يبقى الشقة اللي أمي قالت عليها…
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
— لأ.
— أمال إيه؟
قالت:
— الشقة دي مش اللي أمك اشترتها.
سكتنا.
— أم سلمى كانت مشترية شقة صغيرة باسمها من زمان.
قلبي وقف.
— إيه؟
— وكانت ناوية تديها لك يوم جوازك.
بصيت لمحمود.
وبعدين لأخواتي.
وساعتها فهمت…
إن كل اللي حصل من أول يوم…
كان أكبر بكتير من مجرد خناقة على حاجات النفاس.
كان فيه سر قديم…
سر ماما خبته سنين.
وسر تاني حماتي خبته.
والاتنين اتفتحوا في نفس اليوم اللي بنتي اتولدت فيه.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما الحاجة فاطمة قالت:
— في ورقة كمان.
طلعتها من الشنطة.
— أمك قالتلي ما أديهاش لسلمى غير لما جوزها يكون موجود.
بصيت لمحمود.
مديت إيدي للورقة.
فتحتها.
وأول ما قريتها…
اتسعت عيني.
لأن أول جملة فيها كانت:
“محمود… لو بنتي سلمى اتجوزتك، يبقى لازم تعرف الحقيقة اللي أبوك خبّاها عنك.”
Writing
فضلت ماسكة الورقة وإيدي بتترعش.
بصيت لمحمود.
— مكتوب اسمك.
محمود قرب مني، وشه اتغير.
— إيه اللي مكتوب؟
ناولته الورقة.
بدأ يقرأ، وبعد أول سطرين وقف.
— سلمى…
— إيه؟
— دي حاجة بين أبويا وأمك.
سكتنا كلنا.
منى قالت:
— طب اقرأ.
محمود رجع يقرأ بصوت مسموع:
“محمود…
يمكن تستغرب إن أنا كتبت لك الكلام ده، ويمكن تسأل نفسك إيه علاقة أم سلمى بأبوك.
قبل ما أبوك يتوفى بسنة، جه لي البيت.
كان عليه دين كبير، وكان خايف إن الدائنين ياخدوا البيت.
أبوك كان صاحب فضل كبير على أبو سلمى، ولما أبو سلمى مات، وعده إنه هيقف جنبكم.
لكن أبوك ماكانش عايز يبيع البيت.
فطلب مني أساعده.”
محمود وقف.
— أمي كانت بتقول إن أبويا ماكانش عليه ديون.
الحاجة فاطمة قالت:
— كانت بتحاول تحافظ على صورته قدامكم.
كمل محمود القراءة:
“أبوك طلب مني أبيع الشقة اللي كنت بجهزها لسلمى، وأديه فلوسها.
وافقت.
لكن قبل ما آخد منه وعد، قال لي:
لو حصل لي حاجة، البيت يبقى لمحمود.
مش لأخوه.
ومش لأي حد تاني.
لمحمود.”
محمود بصلي.
— يعني البيت…
هزيت رأسي.
— كان بتاعك؟
كمل القراءة:
“لكن بعد وفاة أبو محمود، حصل خلاف بينه وبين أخوه.
وأم محمود خافت على ابنها.
فخبت عنه الحقيقة.”
محمود قفل عينه.
— أمي كانت عارفة؟
الحاجة فاطمة قالت:
— أيوه.
— وسكتت كل السنين دي؟
قالت:
— عشان ما يحصلش خلاف بينك وبين أخوك.
محمود قام من مكانه.
— بس أنا بعت نصيبي!
سكتت.
— أنا بعت نصيبي عشان أسدد ديون أختي!
الحاجة فاطمة قالت بهدوء:
— نصيبك اللي بعته ماكانش ملكك وحدك.
محمود بص لها.
— يعني إيه؟
— يعني العقد اللي أبوك كتبه باسمك ما اتلغاش.
اتجمد.
— إيه؟
— أخوك باع لك حاجة مش ملكه.
ساد الصمت.
أنا بصيت لمحمود.
هو كان مش قادر يستوعب.
— يعني أخويا خد فلوسي؟
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
— مش بس كده.
فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة.
— دي صورة العقد.
محمود أخذها.
بص فيها.
وبعدين قال:
— التاريخ…
سكت.
— العقد اتكتب قبل وفاة أبويا بشهر.
قالت:
— أيوه.
منى قالت:
— يعني البيت بتاع محمود؟
الحاجة فاطمة قالت:
— قانونيًا، الورق هو اللي يحكم. بس لازم محامي يشوفه.
محمود قعد.
حط إيده على راسه.
— أنا ضيعت سنين وأنا فاكر إني مديون لأخويا.
بصيت له.
— وممكن يكون أخوك نفسه ماكانش يعرف.
قال:
— لازم أعرف.
في اللحظة دي، دخلت سعاد.
كانت واقفة عند الباب.
أول ما شافت الورقة في إيد محمود، عرفت.
— فاطمة…
الحاجة فاطمة بصتلها.
— كفاية يا سعاد.
سعاد نزلت عينيها.
محمود قال:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
ما ردتش.
— كنتِ عارفة إن البيت باسمي؟
دموعها نزلت.
— أيوه.
صرخ:
— وسكتّي ليه؟!
قالت:
— عشان أخوك.
— أخويا خد حقي!
— كنت خايفة أخسركم الاتنين.
— خسرتيني أنا!
سعاد قعدت على الكرسي.
— أنا غلطت.
محمود قال:
— وإنتِ لما طلبتي من أخوات سلمى فلوس…
سكتت.
— كنتِ بتعملي كده عشان تساعديني؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— بس جرحتِ مراتي.
قالت وهي بتبكي:
— عارفة.
بصتلي.
— وأنا آسفة يا سلمى.
أنا ما رديتش.
مش عشان مش مسامحاها.
لكن عشان كل حاجة حصلت في يوم واحد.
ولادتي.
البيت.
أمي.
الفلوس.
والأسرار.
بعد يومين خرجنا من المستشفى.
رجعنا البيت القديم.
لكن المرة دي، محمود ما دخلش وهو خايف.
دخل وهو ماسك الورق.
أخوه كان مستنينا.
أول ما شافه، قال:
— إيه اللي جابك؟
محمود حط الورق قدامه.
— البيت ده بتاعي.
أخوه ضحك.
— إنت اتجننت؟
— لا.
حط العقد على الترابيزة.
— أبويا كتبه باسمي.
وش أخوه اتغير.
— مين قالك؟
— الورق قال لي.
أخوه مسك العقد.
إيده بدأت تترعش.
وبعدين قال:
— أنا ما كنتش أعرف.
محمود سكت.
— والله ما كنت أعرف.
أنا بصيت لمحمود.
قلت:
— يمكن دي أول مرة الحقيقة تظهر.
أخوه بصلي.
— أنا كنت فاكر إن أبويا سايب البيت ليا.
سعاد قالت:
— هو كان سايبه لمحمود.
أخوه بص لها.
— وإنتِ كنتِ عارفة؟
قالت:
— أيوه.
سكت.
وبعدين أخو محمود قرب منه.
— أنا آسف.
محمود ما ردش.
— والله لو كنت أعرف، ما كنتش عملت كده.
محمود بص له.
— أنا مش عايز أخد منك بيت.
— أمال؟
— عايز حقي.
أخوه هز رأسه.
— حقك.
سكت محمود لحظة.
وبعدين قال:
— وإنت أخويا.
الراجل بدأ يعيط.
— وأنا غلطت في حقك.
مد محمود إيده.
اتصافحوا.
وفي اليوم ده، لأول مرة من سنين، العيلة كلها قعدت على ترابيزة واحدة من غير خناقة.
بعدها بأسبوع، نقلنا للشقة اللي سعاد اشترتها لنا.
كانت صغيرة.
غرفتين وصالة.
لكن بالنسبة لي كانت قصر.
حطيت بنتي في سريرها.
ومحمود وقف جنبي.
قال:
— فاكرة أول يوم؟
ضحكت.
— يوم ما أمك قالتلي أطلب من أخواتي حاجات النفاس؟
ضحك.
— أيوه.
— كنت هموت من العياط.
— وأنا كنت هموت من الخوف.
بصينا لبنتنا.
قلت:
— وفي الآخر، لا أخواتي اضطروا يستلفوا، ولا إنت قعدت من غير أكل، ولا إحنا نمنا في الشارع.
محمود ابتسم.
— وأمي طلعت بتحبك.
ضحكت.
— بتحبني بطريقتها الغريبة.
في اللحظة دي دخلت سعاد.
كانت ماسكة طبق أكل.
قالت:
— عملتلك فراخ.
بصيت لها.
ضحكت.
— ماما… أنا مش محتاجة فراخ.
قالت:
— أنا عارفة.
وحطت الطبق قدامي.
— بس أنا محتاجة أعملك حاجة.
سكتت لحظة.
— من يوم ما جيتي البيت وأنا فاكرة إن القوة معناها إني أتحكم في كل حاجة.
بصت لبنتي.
— لكن إنتِ علمتيني إن القوة أحيانًا إن الواحد يعرف يقول: أنا غلطت.
دموعي نزلت.
قربت منها.
وحضنتها.
ولأول مرة، حضنت حماتي كأنها أمي.
لكنها همست في ودني:
— بس عندي طلب.
ضحكت.
— إيه؟
قالت:
— سمي البنت على اسم أمك.
بصيت لبنتي.
وسكت.
وبعدين قلت:
— اسمها هيكون “أميرة”.
لأن أمي كانت دايمًا بتقول لي:
“البنت اللي تعرف قيمة نفسها، عمرها ما تحتاج حد يقول لها قيمتها.”
ومن يومها…
كل ما بنتي تكبر وتسألني:
— ماما، جدتي كانت بتحبك؟
هقول لها:
— أيوه يا حبيبتي…
بس كانت محتاجة وقت عشان تعرف إزاي تحبني.