رواية كاملة
لما أنا ومراتي فاطمة عرفنا إننا مستنيين أول بيبي لنا، بيتنا كله ابتدى ياخد إيقاع تاني هادي. هي تعاملت مع الحمل بطريقتها المنظمة والمعتادة، وحوشت مبلغ 350 ألف جنيه بعناية عشان تغطي إجازة وضعها، واحتياجات البيبي الأولى، وأي مصاريف تطلع فجأة. كنت معجب والتزامها ونظامها أكتر ما هي متخيلة.
كل حاجة فضلت هادية لحد الليلة اللي أختي كريمة كلمتني فيها وهي بتعيط. كانت في آخر قترة حملها، وبتمر بانفصال صعب، وضاغطة عليها أزمات مادية جامدة. وبحكم إني أخوها الكبير، حسيت بالمسؤولية. ومن غير ما أفكر كويس، وعدتها إني هساعدها ألاقي الفلوس اللي محتاجها ضروري.
تاني يوم بالليل، وفاطمة بتجهز العشاء، سألتها سؤال غير حاجات كتير أكتر ما كنت متوقع.
“يا حبيبتي… ممكن تسلفي كريمة الـ 350 ألف جنيه؟”
فاطمة وقفت في نص حركتها. قدرت أشوف التغيير في وشها — وجع مخلوط بعدم تصديق.
“الفلوس دي عشان ابننا،” قالت بهدوء. “إحنا قدامنا أسابيع ونبقى أب وأم. إزاي نفرط فيهم دلوقتي؟”
أصريت إن أختي من أهلي برضو، وإنها محتاجانا. الكلام اتصاعد بسرعة — ولحد دلوقتي،
بندمان على قسوة صوتي. فاطمة مكنش قلبها ميت. كانت خائفة، ومضغوطة، وبتدبر الأمور عشان ما تفلتش منها. أنا مشفتش ده وقتها.
في الآخر، حطت السكينة وطلبت مني أقعد. عينيها كانو حمر، بس كانت هادية بشكل خوّفني أكتر من العصبية.
“فيه سبب يخليني مش ممكن أدي الفلوس دي لأختك،” قالت. “وسبب ما قلتوش لك عشان مكنش عارفة هترد عليا إزاي.”
قلبي دق جامد. جهزت نفسي لأي حاجة — ما عدا اللي كشفته بعد كده.
“الفلوس دي… مش مجرد تحويشة. فيه حد تاني شارك فيها. حد كان عايز يساعدك أنت.”
بلعت ريقها بصعوبة. “مين؟”
إجابتها نزلت زي المية السقعة.
“مامك الله يرحمها.”
فضلت باصص لها وأنا مذهول. أمي كانت توفت في أول السنة. كنت عارف إنها دايماً حنونة، بس مكنش عندي فكرة أنها رتبت لكل ده لينا.
فاطمة كملت بهدوء.
“كانت عيزاك تاخد إجازة بعد ما البيبي يتولد. كانت عارفة إن شركتك ما بتديش إجازات مدفوعة. ومكنتش عايزاك تفوت الأسابيع الأولى دي — نفس الأسابيع اللي كانت بتتمنى دايماً إنها تكون متواجدة فيها أكتر. طلبت مني أحوش الفلوس دي في السر عشان الغرض ده وبس. ”
ندم أمي دایماً كان متداري، ظل بيننا. لما سمعت أنها خدت خطوات عشان تديني اللي هي ذات نفسها فاتها، حسيت بثقل كبير نازل على صدري.
فاطمة ضغطت على إيدي. “طلبت مني أحافظ على الفلوس دي لعيلتنا. قالت لي إن دي طريقتها عشان تتاكد إنك هتبقى الأب اللي كانت تتمناه يكون ليك.”
حسيت بالذنب بيغرقني. أنا كنت خلاص هأثر على فاطمة عشان تضيع وصية من آخر وصايا أمي.
بس لسه فيه تاني.
فاطمة قامت، دخلت أوضة النوم، ورجعت ومعاها ظرف مقفول. “أمامك ادتني ده كمان،” قالت. “وقالت لي أديولك لما تحس إن الوقت مناسب.”
بإيدين بتترعش، فتحت الظرف. خط إيد أمي المعروف كان مالي الورقة.
“يا بني، أنت دایماً كنت بتحاول تشيل كل حاجة لوحدك،” الكلام بدأ كده. “بس الحياة مش مفروض تعيشها بالطريقة دي. لما ابنك يتولد، خليك موجود. ما تفوتش اللحظات اللي مش بترجع. وخد بالِك من الناس اللي بتبني معاهم حياتك. اثق في فاطمة — هي بتشوف حاجات أنت ساعات بتعديها.”
اضطريت أوقف كذا مرة من كتر الحنية والوضوح. حسيت وكأنها كتبت الجواب وهي باصة للموقف ده بالذات.
لما خلصت قراية، فاطمة قعدت جنبي. “فيه حاجة تانية،” قالت بصوت واطي. “حاجة ما قلتهاش لك عشان مكنش عايزة أخوفك.”
شرحت لي إن حملها ظهر فيه شوية مضاعفات محتملة، مش حاجات فورية بس كفاية عشان الدكتور يطلب تحاليل أكتر. واعترفت أنها كانت قلقانة، بتحوش مش بس لإجازة الوضع، لكن عشان راحة بالها وصحة البيبي.
في اللحظة دي، كل حاجة جوايا اتقلبت. أنا كنت مركز أوي إني أساعد أختي لدرجة إني نسيت الشخص اللي كان محتاجني أكتر من أي حد — مراتي، الست اللي شايلة ابننا.
بالليل، كلمت كريمة. حكيت لها كل حاجة بهدوء وبصراحة، ووعدتها إني هساعدها بطرق تانية — إني أدور لها على مصادر، وأوصلها بخدمات دعم، وأجمع العائلة معاها. وبصراحة هي تفهمت، مع إن الموضوع كان صعب.
أنا وفاطمة اتفقنا: هبة أمي هتفضل مكان ما هي قصدت بالضبط. لينا. لابننا. ولبداية عيلتنا.
ساعات الحياة بتكشف لنا الحقائق في أوقات غير متوقعة — مش عشان تعاقبنا، بس عشان تفكرنا قلوبنا بتبقى مكانها فين بجد.
ولو اتعلمت حاجة من اليوم ده، فهي إن الناس اللي بتبني معاهم حياتك لازم يضلوا هما أساسك. أي حاجة تانية ممكن تترتب في وقتها.