جوزى فاكر انه قفل السكه

جوزي كان فاكر إنه قفل السكة.. المكالمة فضلت تسجل لمدة 4 دقايق و12 ثانية.. كلمة بكلمة.

​جوزي افتكر إنه علق الخط، بس الموبايل فضل يسجل كل حاجة لمدة أربع دقايق واثني عشر ثانية كاملين.

في الأربع دقايق دول، كان بيضحك مع أعز صاحبة ليا عليا.. على إجهاضي، وعلى ورثي والملايين اللي سايبهالي أبويا، وعلى إني صيد سهل ومغفلة ومصّ ومصمصة دمها مش هياخد في إيدهم غلوة.

هو كان صح في حاجة واحدة بس: إني كنت نية وعلى نياتي زيادة عن اللزوم.. بس كان غلطان جداً لما افتكر إني هفضل كدة كتير.

​المطر كان نازل زي السيل على طريق المحور الضهرية دي، لدرجة إن البلد من ورا الإزاز كانت شبه لوحة زيتية سايحة ممسوحة بصباع مبلول. أنوار الفرامل بتاعة العربيات كانت مفرشحة أحمر على الإزاز. المساحات كانت شغالة بأقصى سرعة ومع ذلك خسرانة المعركة مع المطر. أنا لسه فاكرة صوتهم كويس أوي، تزييق الكاوتش وهو بيحتك بالإزاز.. “زيق.. زيق.. زيق”.. كأن العربية نفسها كانت بتحاول تمسح اللي هيحصل كمان شوية قبل ما عيني تشوفه.

​أنا كلمت طارق عشان الزحمة كانت واقفة خالص، وكنت هروح البيت بدري عن المعاد. بس كدة. ذوق أسرى عادي جداً.. من نوعية الحاجات اللي الستات بتعملها لما تكون لسه فاكرة إن جوزها بيفرق معاه هنتغدى الساعة سبعة ولا تمانية.

​رد عليا على الرنة الثالثة.

​وقال لي: “أنا في إيدي حاجة ومش فاضي”.

​صوته ماكانش متعصب.. كان أوحش من كدة.. كان متضايق وزهقان. النبرة اللي بيستخدمها لما بكون مجرد إشعار رخم ملوش لازمة ظهرله على شاشة تليفونه في نص يومه.

​قلتله: “أنا بس كنت عايزة أقولك إني قربت—”

​قاطعني: “هنتكلم بعدين”.

​تيك. قفل.

​بس الصدمة إن الخط مقفلش!

​المكالمة فضلت شغال على شاشة العربية عندي.

​لمدة تلات ثواني، ماكانش فيه أي صوت.. مجرد مطر، وشوشة، وصوت حركة خفيفة ومكتومة في أوضة أنا مش شايفاها.

​بعدين صوت طارق رجع تاني، بس النبرة اتغيرت تماماً لدرجة إن إيدي كلبشت في الدريكسيون من قبل ما عقلي يستوعب اصلاً فيه إيه.

​قال وهو بيموت من الضحك: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. دي بتخنقني ساعات، ببقى مش طايق نفسي معها!”

​فيه ست ضحكت.

​الضحكة دي أنا عارفاها كويس.. عارفاها زي اسمي.

​كنت هعرفها لو أنا نايمة، لو في سياق حمى، لو تحت تأثير البنج، لو واقفة في محطة قطر بعد عشرين سنة من دلوقتي. رانيا.. رانيا كانت بتضحك معايا ومن قلبي في أيام الجامعة، شالت معايا بلاوي وقرف، شربنا شاي بلبن سوا وإحنا بنذاكر، خططت معايا لفرحي، وقفت معايا في طرّاقات المستشفيات اللي ريحتها كلها مطهرات وخوف.

​رانيا.. صاحبة عمري، وإشبينتي في الفرح، الست اللي كانت ماسكة إيدي الاتنين في التلات مرات اللي سقطت فيهم وهي بتقولي “إنتي زي الفل وم العيب فيكي.. متكسريش نفسك”.

​صوتها طلع من سماعات العربية دافي، كله دلع، وكأنها قاعدة في بيتها ومطمنة على الآخر.

​قالت: “أنا بس مش عايزة ابني يكبر وهو متلخبط ومش عارف مين عيلته الحقيقية”.

​رجلي فضلت دايسة على الفرامل.. إيدي ابيضت من كتر الكبس على الدريكسيون. ما اتحركتش. ما شهقتش. ما طلعتش حتى الآهة الصغيرة الوجيعة اللي جسمي كان هيموت ويصرخها.. لأن فيه غريزة جوايا، أبرد وأقدم من الوجع نفسه، قالتلي إن لو نفسي طلع غلط، ممكن أخسر الخيط اللي بيتحط في إيدي دلوقتي.

​طارق ضحك بـ لؤم.

​وقالها: “متخافيش.. ندى دي هبلة ومغفلة بشكل ميتصدقش. أول ما شيك الورث اللي بـ 5 مليون جنيه من أبوها يتصرف الشهر الجاي، هحول كل المبالغ دي لحسابات برة البلد.. وبعدين هرفع قضية طلاق ونختفي إحنا الاتنين. وهسيبها على الحديدة ملهاش أي لازمة”.

​المطر كان بيرزع فوق سقف العربية.

​العربية اللي قدامي بدأت تتحرك سنتيمترات.

​أنا ما اتحركتش.

​رانيا ضحكت تاني بصوت واطي، كانت مبسوطة أوي ومنشكحة.. مش مصدومة، مش مكسوفة.. لأ، دي كانت طايرة من الفرحة.

​طارق وطى صوته، بالطريقة اللي بيعملها لما بيفتكر نفسه ناصح ومحدش جابه.

​وقال: “وبعدين.. هي كدة كدة أثبتت إن جسمها مبيشتغلش صح ولا بينفع في حاجة”.

​لعقلي ثانية مكنتش فاهمة.

​بعدين استوعبت.

​الإجهاض!

​كان بيتريق على طراش دموعي وعلى ولادي اللي نزلو.. بيتريق مع رانيا!

​اللي كانت قاعدة جنبي في العمليات في أول مرة سقطت فيها، وهدومها اتبهدلت من دمي عشان كانت حضناني وأنا بعيط لدرجة مكنتش قادرة أقف على رجلي. اللي عملتلي لقمة أكلها في المرة الثانية. اللي نامت على الكنبة في بيتي في المرة الثالثة وكانت بتوشوشني وتقولي إن الحزن مش هيقلل من أنوثتك ولا هيخليكي نص ست.

​المكالمة فضلت تسجل.

​أربع دقايق واثني عشر ثانية بالتمام والكمال.

​أنا حافظة الرقم ده صم، لأني سمعت التسجيل ده كذا مرة من ساعتها. مش عشان بحب أعذب نفسي.. الوجع مبيبقاش هو الهدف بعد فترة. الدليل بيبقى هو الهدف. الحقيقة والوضوح بيبقوا هما الأساس. بيبقى فيه نوع غريب من الرضا والنصر النفسي لما تبقي عارفة بالثانية الوقت اللي أخده أقرب شخصين ليكي عشان يقلعوا وشوشهم قدامك ويظهروا على حقيقتهم الوِسخة.

​لما الخط قطع في الآخر، فضلت قاعدة في الزحمة والمطر عمال يخبط في الإزاز، وحسيت بحاجة ضخمة ومرعبة بتتحرك جوايا.. مش رغبة في الصريخ.. لأ، لسه.. حاجة أخطر بكتير من الصريخ.

​الهدوء القاتل.

​الهدوء ده انتشر فيا من جوا لبرا، خلى كل حاجة حواليا حادة وواضحة بشكل غريب.. الأسفلت الأسود المبلول، الساعة اللي منورة في التابلوه، الرعشة الخفيفة اللي في إيدي الشمال، ريحة القهوة الفاترة اللي في الكوبية الورق.. وصورتي أنا في قزاز الباب، وشي كان باهت، وغريب، وكأني أول مرة أشوف الست دي في حياتي.

​مروحتش البيت.

​أنا دورت العربية وطلعت على مكتب أبويا

واللى حصل هناك كان……

واللي حصل هناك كان نقطة التحول الحقيقية في حياتي، النقطة اللي “ندى الهبلة المغفلة” ماتت فيها، واتولدت مكانها ست تانية خالص، ست مبيفرقش معاها غير حاجة واحدة بس: تفرم اللي داسوا عليها.

أول ما دخلت مكتب أبويا الله يرحمه، ريحة خشب الأرو القديم وسجايره اللي كانت لسه معششة في الستائر حسستني بالأمان لأول مرة من سنين. قعدت ورا مكتبه الضخم، على كرسيه الجلد اللي كنت بحسه دايماً واسع عليا وأنا صغيرة، بس المرة دي.. حسيت إنه متفصل على مقاسي بالملي.

طلعت الموبايل، ووصلته بالكمبيوتر، ونقلت التسجيل اللي مدته 4 دقايق و12 ثانية. عملت منه تلات نسخ احتياطية على كذا فلاشة، وشيلتهم في خزنة المكتب السرية اللي مفيش مخلوق يعرف مكانها غيري. وأنا بسمع صوت طارق ورانيا للمرة الألف والوجع بيتحول لكتلة تلتج في صدري، الباب اتفتح ودخل متر الأسرار، أستاذ عاصم، محامي أبويا وعشرة عمره.

عاصم بيه راجل عجوز، شعره أبيض زي القطن، وعينيه حادة زي الصقر. أول ما شاف وشي، وقف مكانه وقال بنبرة قلقانة: “ندى يا بنتي؟ مالك؟ وشك قالب ألوان والدم هربان منه ليه؟”

من غير ما أنطق بكلمة واحدة، دوست على زرار التشغيل في الكمبيوتر. الصوت طلع في الأوضة الواسعة، تردد صدى ضحكات رانيا الخبيثة وثقة طارق الملعونة وهو بيتكلم عن الـ 5 مليون جنيه وعن إجهاضي. عاصم بيه فضل واقف مكانه، ملامح وشه كانت بتتصلب مع كل ثانية بتعدي، وعروق جبهته ظهرت وبقت حمرا من كتر الغضب.

أول ما التسجيل خلص، الأوضة سادها صمت قاتل، أصعب من صمت المحور والمطر. عاصم بيه قعد على الكرسي اللي قدامي، خلع نظارته ومسح وشه بإيده، وقال بصوت مكتوم ومليان غل: “ابن الكلاب.. ده كان هيموت ويخليني أسرع في إجراءات إعلام الوراثة وصرف الشيك. كان كل يوم يكلمني بحجة إنه خايف عليكي وعلى مصلحتك”.

بصيت لعاصم بيه بعينين مفيهاش دمعة واحدة، وقلتله بنبرة باردة لدرجة إني خوفت من نفسي: “أستاذ عاصم، الشيك بتاع الـ 5 مليون هيتصرف الشهر الجاي زي ما هو فاهم؟”

عاصم بصلي باستغراب: “إنتي بتقولي إيه يا ندى؟ إنتي عايزة تديله الفلوس بعد اللي سمعتيه؟”

سندت ضهري لورا وقلت بابتسامة باهتة: “لأ طبعاً.. أنا هخليه يشوف الفلوس بعينيه، ويلمسها بإيديه، ويحس إن حلمه خلاص اتمكن منه.. وفي اللحظة اللي هيفتكر فيها إنه انتصر، هسحب السجادة من تحت رجليه هو وصاحبة عمري. أنا مش عايزة أطلق يا عاصم بيه، الطلاق ده رحمة، وأنا مش هرحمهم. أنا عايزة انتقام هادي، يخليهم يتمنوا الموت وميلاقوهوش. قولي.. القانون يقدر يعمل إيه مع المقطع ده؟ ويقدر يعمل إيه في الحسابات اللي بيقول إنه هيحولها برة؟”

عاصم بيه ابتسم ابتسامة ذئبية ظهرت في عينيه، ورجع لبس نظارته وهو بيقول: “القانون ده لعبتي يا بنت الغالي.. وأبوكي الله يرحمه مكنش سايبك لقمة طرية زي ما الباشا فاكر. التسجيل ده لوحده يوديهم في داهية بتهمة التآمر والنصب، بس إحنا مش هنستخدمه دلوقتي خالص. إحنا هنمشي معاه خطوة بخطوة. هو قال إنه هيحول الفلوس لحسابات برة البلد، صح؟”

هزيت راسي بـ آه.

عاصم كمل وهو بيفتح ملفات قدامه: “تمام.. طارق شريك معاكي في شركة الاستيراد والتصدير الصغيرة اللي أبوكي عملهالكوا، وله حق التوقيع فريد. إحنا هنخليه يطمن خالص، ونخليه يبدأ فعلاً في نقل الفلوس، بس الحسابات اللي هيفتكر إنها برة وبتأمن مستقبله مع الست رانيا.. هتكون حسابات تانية خالص إحنا اللي متحكمين فيها بالتعاون مع بنك برة مصر عن طريق علاقات أبوكي القديمة. هو هيمضي على أوراق تخليه مديون للشركة بكل مليم يملكه، ومن غير ما يحس، هيوقع على تنازل عن نصيبه في البيت والعربيات كضمانات وهمية للقرض اللي هيفتكره تهريب”.

وقفت وبصيت من شباك المكتب على الشارع تحت.. المطر كان بدأ يخف، بس الليل كان بيليل والضلمة بتفرش توبها على البلد.

قلتله: “والست رانيا؟ الست اللي كانت بتعيط على ولادي اللي ماتوا وهي مستنية تاخد مكانهم؟”

عاصم بيه قال: “رانيا جوزها مسافر برة وشغال في الخليج، وبيبعتلها كل قرش وهي عايشة هنا بالطول والعرض، وطارق مأمنلها شقة باسمها في التجمع من وراكي.. الشقة دي تمنها من فلوس شركتك إنتي. أنا هجيبلك قرار الشقة ده في خلال 48 ساعة، وهعرف جوزها في الخليج بكل حاجة بتحصل بالدليل القاطع.. بس في الوقت المناسب.. لما الشباك تقفل عليهم هما الاتنين في نفس اللحظة”.

قفلت جاكتي، وأخدت الفلاشة في جيبي، وبصيت لعاصم بيه وقلتله: “أنا هروح البيت دلوقتي يا أستاذ عاصم.. هروح وهقعد معاه على ترابيزة عشا واحدة، وهبتسمل في وشه، وهخليه يحس إنه أذكى راجل في الكون. من النهارده، ندى القديمة ماتت في المطر على المحور”.

رجعت البيت الساعة تمانية بالليل. فتحت الباب بالراحة. ريحة الأكل كانت مالية المكان، وأنوار الصالة كانت هادية.

طارق كان قاعد على الكنبة، لابس هدوم البيت المريحة، وبيتفرج على التلفزيون وهو بيشرب قهوته ومبتسم.. نفس الابتسامة اللئيمة اللي سمعت صوتها في العربية.

أول ما شافني، وشه اتمط بابتسامة مصطنعة من بتاعة كل يوم، وقام وقف وقال بحنية كدابة تكفي بلد: “تأخرتي ليه يا حبيبتي؟ أنا قلقت عليكي جداً والمطر برة كان غسيل ومستعجل.. كلمتك في التليفون وكنت مضغوط في الشغل فقفلت بسرعة، حقك عليا متزعليش مني”.

قرب مني عشان يبوس دماغي زي ما بيعمل دايماً لما يكون عامل مصيبة ويداري عليها. في اللحظة دي، جسمي كله قشعر، وحسيت بنفور وزهق لو طلعت ربع منه كان هيعرف إني كشفته.. بس ثبت نفسي، وابتسمت أصفى ابتسامة عندي، وحطيت إيدي على كتفه وقلتله بصوت ناعم:

“ولا يهمك يا حبيبي.. أنا عارفة ضغط الشغل عليك إيه.. وعشان كدة أنا عديت على أستاذ عاصم في المكتب النهارده، وخلصت إجراءات شيك الـ 5 مليون جنيه.. وهيطلع باسمي وباسمك الشهر الجاي عشان نعمل بيه كل اللي نفسك فيه”.

عينه لمعت ببريق جشع وطمع عمري ما شفته بوضوح زي المرة دي.. ضحك وأخدني في حضنه وهو بيقول: “يا حبيبتي يا ندى.. ربنا يخليكي ليا، إنتي مالكيش غيري في الدنيا دي وأنا اللي هأمنلك مستقبلك”.

وأنا جوة حضنه، كنت باصة للفراغ اللي وراه وعيني ثابتة، وبقول في سري: “فعلاً يا طارق.. مالياش غيرك.. والـ 4 دقايق و12 ثانية بتوعك”.
مرت الأسابيع اللي بعد كده وكأنها فيلم سينما أنا مخرجته، وهما مجرد ممثلين بيمشوا على السيناريو اللي حطيته بالملي مع أستاذ عاصم.

القدرة على التمثيل دي موهبة مكنتش أعرف إنها عندي؛ كنت بقعد مع طارق على نفس السرير، باكل معاه في طبق واحد، وبسمع كلامه المعسول عن “مستقبلنا سوا” وأنا جوايا برود قاتل، برود عامل زي المشرط اللي بيقطع بالراحة ومن غير ما يحسس المريض.

وفي نفس الوقت، رانيا مكنتش ساكتة. كانت بتكلمني كل يوم في التليفون بنبرة الحنية المزيفة بتاعتها: “عامة إيه يا نودا؟ نفسيتك اتظبطت بعد الإجهاض الأخير؟ طارق مخلي باله منك؟”

وكنت برد عليها وأنا دايسة على سناني: “الحمد لله يا رانيا، طارق ده نعمة ربنا عليا، مش عارفة من غيره كنت هعمل إيه في موضوع الورث ده”.

كانت الضحكة المكتومة اللي بتطلع منها بعد الجملة دي بالذات، بتديني طاقة وقوة تخليني أستحمل القرف اللي أنا فيه لحد ما تيجي اللحظة الحاسمة.

وفي يوم الضهرية، كلمني أستاذ عاصم على الموبايل، صوته كان هادي وفيه نبرة الانتصار اللي كنت مستنياها: “ندى يا بنتي، الشيك بـ 5 مليون اتصرف رسمي ودخل حساب الشركة اللي طارق له حق التوقيع فيه.. وطارق لسه خارج من عندي حالا بعد ما وقع على كل الأوراق اللي جهزناها”.

جسمي كله اتشد: “موافقش على بند الضمانات؟”

عاصم بيه ضحك بصوت عالي: “موافقش؟ ده كان هيموت ويبصم! الجشع عماه تماماً يا ندى. طارق وقع على عقد قرض شخصي من الشركة باسمه، بضمان نصيبه في البيت وعربيتك وعربيته، ومضى على تنازل رسمي موثق في حالة التعثر. وهو فاكر إن ده مجرد ورق صوري عشان يحول الـ 5 مليون لحساب ‘الشركة الأجنبية’ اللي برة مصر.. اللي هي في الأصل حساب مقفول باسمك إنتي في بنك سويسري، ومحدش يقدر يسحب منه مليم غير بوقيعك وبصمة عينك إنتي شخصياً”.

قفلت مع أستاذ عاصم، وحسيت إن أول قفل في القفص اتقفل عليهم. طارق دلوقتي حول الفلوس بالكامل للحساب اللي فاكره بتاعه وبتاع رانيا برة مصر، وفي نفس الوقت، مضى على ورقة بيعه وبيخرب بيته بإيده هنا في مصر من غير ما يدرى.

بالليل، طارق رجع البيت وهو طاير من الفرحة، عينيه كانت بتلمع بشكل مش طبيعي، ودخل عليا وبوكس ورد كبير وشيكولاتة، وقال وهو بيحضني بلهفة: “مبروك يا حبيبتي، الفلوس دخلت الحساب وبقت في أمان.. أنا حطيتهم في استثمار برة مصر هيجيب لنا أرباح خيالية، من النهارده مفيش تعب ولا قلق على المستقبل”.

ابتسمت وشميت الورد وقلتله: “أنا واثقة فيك يا حبيبي.. إنت دايماً بتعرف تأمن مصلحتنا”.

بعدها بساعتين، طارق دخل الحمام ياخد دش، وساب موبايله على التربيزة برة. الموبايل نور.. كانت رسالة من رانيا على الواتساب.

فتحت الرسالة ببرود، وكانت كاتبة له: *”الفلوس وصلت الحساب برة يا حبيبي؟ طمني.. أنا كلمت المحامي عشان أرفع قضية الخلع على جوزي هنا، ومش هقوله على موضوع الشقة التجمع عشان مياخدهاش.. طمني بسرعة هتمشيها طلاق وندى على الحديدة إمتى؟”*

قلبي دق بسرعة، بس مش من الخوف، من المتعة.. متعة الصيد.

أخدت سكرين شوت من الرسالة وبعتّها لرقمي، ومسحت الرسالة من عنده عشان ميتديرش إنها اتفتحت، ورجعت الموبايل مكانه قبل ما يخرج من الحمام وهو بينشف شعره وبيغني بالراحة.

اليوم اللي بعده، بدأت المرحلة الثانية من الخطة.. مرحلة رانيا.

أستاذ عاصم نفذ وعده، وبمساعدة معارفه، جابلي رقم “خالد” جوز رانيا اللي شغال مهندس في السعودية، الراجل الطيب الشقيان اللي متغرب عشان يبعتلها آلاف الريالات كل شهر وهي بتشتري بيهم شقق مع طارق من ورايا.

قعدت في عربيتي، في نفس المكان اللي سمعت فيه المكالمة على المحور، بس المرة دي الجو كان شمس وصافي.. مفيش مطر، واللوحة الزيتية السايحة بقت حقيقة واضحة وضوح الشمس.

طلبت رقم خالد.. رد عليا بعد تالت رنة، صوته كان هادي وفيه ريحة الغربة: “ألو.. السلام عليكم، مين معايا؟”

قلتله بنبرة واضحة وثابتة: “وعليكم السلام يا بشمهندس خالد. أنا ندى.. ندى صاحبة رانيا مراتك.. وأظن إن فيه أمانة غالية أوي عندك رانيا سيباها معايا لمدة 4 دقايق و12 ثانية، ولازم تسمعها بنفسك عشان تعرف فلوس الغربة وال شقا بتروح فين”.تابعو صفحه رومانى مكرم

خالد فضل ساكت لفترة طويلة جداً، الهدوء اللي كان في المكالمة كان مختلف تماماً عن هدوء المحور.. كان هدوء العاصفة اللي بتسبق الانهيار. سمعت صوت نفسه بيتقطع، وكأنه بيحاول يستوعب الكلمات اللي لسه قايلها.

سألني بصوت مخنوق: “إنتي بتقولي إيه يا مدام ندى؟ رانيا؟ رانيا بتعمل فيا وفي بيتها كدة؟”

رديت عليه ببرود وتماسك: “مش بس كدة يا بشمهندس. رانيا مش بس بتخونك، دي بتشارك طارق -جوزي- في خطة عشان يخلصوا على ورث أبويا ويختفوا سوا. الفلوس اللي بتبعتها عشان تأمن مستقبلك ومستقبل ابنك، هي اشترت بيها شقة في التجمع باسمها عشان تعيش فيها مع طارق بعد ما يطلقوني ويستولوا على كل شيء.”

خالد انفجر في البكاء.. بكاء رجل حس إن عمره اللي قضاه في الغربة والغربة بمرارتها اتسرق منه بدم بارد. قال بين شهقاته: “أنا كنت فاكرها بتشيل القرش عشان مستقبلنا.. كنت بحرم نفسي من الأكل والشرب عشان هي تعيش ملكة.. يا بنت الحلال لو الكلام ده صح.. أنا هحرقهم!”

قلتله: “مش محتاج تحرق حد يا بشمهندس.. كل اللي محتاجه تبعتلي إيميلك، وهبعتلك نسخة من المكالمة، وصور من عقود الشقة اللي اشتريتها بفلوسك من وراك، وتوكيلات تانية هتثبتلك كل حرف قلته. إحنا هنحتاجك بس يوم ما نرفع القضية عشان تكون شاهد إثبات على خيانتها وتسترها على سرقة أموالي.”

بعد ما قفلت مع خالد، حسيت بتقل الوجع اللي كان في صدري بيخف.. بس ده كان مجرد البداية.

في نفس اليوم، طارق دخل البيت وهو بيبتسم ابتسامة باهتة، كان واضح إنه بدأ يقلق شوية. قعد قدامي وقال: “ندى.. فيه حاجة غريبة حصلت. البنك اتصل بيا بيقولوا إن فيه مراجعة على حسابات الشركة، وفيه أوراق ناقصة بخصوص التحويل الأخير.. بيقولوا إن فيه شك في مصدر الأموال.”

بصيتله بتركيز، وكنت بلعب بخاتم جوازي في إيدي: “غريبة؟ أكيد دي إجراءات روتينية يا طارق.. إنت قلقان ليه؟ إنت مش بتقول إنك ماشي قانوني؟”

بصلي بنظرة شك وريبة، وقرب مني: “انتي عملتي حاجة يا ندى؟ حد كلمك من البنك؟”

ضحكت ضحكة خفيفة: “يا حبيبي، أنا مالي ومال البنك؟ أنا كل اللي يهمني إننا نكون سوا.. بس خايفة لو الشركة اتعرضت لمشاكل، إنك تكون اتسرعت في التحويل.. مش إنت قولت إنك واخد قرض بضمان كل اللي نملكه؟”

طارق وشه اصفر، ووقف فجأة: “أنا.. أنا لازم أروح المكتب أشوف الموضوع ده. متقلقيش يا ندى، هحل كل حاجة.”

بمجرد ما خرج من باب الشقة، اتصلت بأستاذ عاصم: “البداية بدأت يا أستاذ عاصم.. طارق بدأ يحس إن الخناق بيضيق عليه. خالد عرف كل حاجة ومستني إشارتنا، وفضايح رانيا بقت بين إيديه.”

عاصم بيه رد بصوت حازم: “تمام يا ندى.. خليهم يتخبطوا في بعض. دلوقتي رانيا هتتصل بطارق عشان تسأله إيه اللي بيحصل، وهما الاتنين هيبدأوا يتهموا بعض. لازم نخليهم يحسوا إن الأرض بتتهز تحت رجليهم قبل ما الضربة القاضية تيجي.”

وبالفعل، بعد ساعة بالظبط، جالي تنبيه على موبايلي إن رانيا بتحاول تتصل بطارق أكتر من 10 مرات.. وطارق مش بيرد.

قعدت على الكنبة، ولعت شمعة، وشغلت تسجيل الـ 4 دقايق و12 ثانية.. بس المرة دي، كنت بسمعه وأنا ببتسم.. لأن في كل ثانية بتعدي، كان بيقربهم أكتر من الهاوية اللي حفرتها لهم بإيدي.

لقيت باب الشقة بيتفتح بعنف.. طارق دخل ووشه متبهدل، عيونه كانت محمرة، ورمى مفاتيحه على الأرض وقال بصوت مهزوز: “ندى.. لازم نمشي.. لازم نهرب دلوقتي، الشركة.. الشركة اتعمل فيها بلاغ بـ اختلاس وسرقة، والبنك جمد كل الحسابات!”

بصيتله ببرود شديد، ووقفت قدامه ببطء: “نهرب؟ نهرب ليه يا طارق؟ وإحنا عملنا إيه غلط؟”

طارق اتجنن: “انتي بتسأليني ليه؟ أنتي مش عارفة؟ فين الفلوس؟ فين الـ 5 مليون؟”

ابتسمت وقربت منه همست في ودنه: “الفلوس في مكان عمرك ما هتوصل له.. وفي الوقت اللي إنت كنت بتخطط فيه تطلقني، كنت أنا بوقعك في الفخ اللي هيخليك تقضي بقية عمرك ورا القضبان.. إنت ورانيا.”

طارق اتجمد في مكانه، وصوته اختفى.. بس في اللحظة دي، سمعت صوت خبط عنيف على باب الشقة.. مش خبط عادي.. كان خبط بوليس.

طارق اتسمّر مكانه كأنه اتضرب بالكهرباء. بص للباب وبعدين بصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها من كتر الرعب. الخبط زاد وبعنف، وصوت حازم هز ريسبشن الشقة: “افتح يا طارق بيه.. معانا إذن من النيابة”.

طارق لف حوالين نفسه زي الفأر المحبوس في مصيدة، وشه بقى أزرق تماماً، وقرب مني ومسكني من كراسي جاكتي وهو بيوشوش بصوت مرعوب ومبحوح: “ندى.. أنتي عملتي إيه؟ أنتي بلغتي عني؟ أنتي هتضيعي جوزك؟ الفلوس فين يا ندى؟”

شيلت إيده من عليا ببرود ونفضت جاكتي مكان صوابعه، وبصيتله وعيني فيها كل سنين الوجع والإجهاض والكسرة اللي عشتهالكوا: “جوزي؟ جوزي مات في المطر على المحور يا طارق. افتح الباب.. عيب تخليهم يكسروه، الشقة دي لسه باسمي وأنا خسارة فيك وفيها مسمار واحد يتخلع”.

طارق رجع لورا وهو مش مصدق، ورجليه مكنتش شايلاه. رحت أنا بكل هدوء وفتحت الباب.

دخل القوة ومعاهم أستاذ عاصم، اللي كان واقف وراهم بابتسامة وقار وثقة تنهي اللعبة. الظابط بص لطارق وقال بلهجة حاسمة: “طارق عبد الرحمن؟ معاك أمر ضبط وإحضار في القضية رقم… بتهمة النصب والاحتيال، والاختلاس من أموال شركة استيراد وتصدير، وتقديم مستندات مزورة لبنوك أجنبية”.

طارق اترمى على الكنبة، وبدأ يصرخ كأنه طفل صغير: “والله ما عملت حاجة! دي فلوس مراتي وهي اللي مدياهالي.. اسألوها! ندى.. قولي لهم حاجة!”

أستاذ عاصم قرب خطوتين، وطلع ملف من شنطته الجلد وقال للظابط: “يا فندم، دي كل المستندات وعقود القروض والتحويلات اللي الباشا مضى عليها بكامل إرادته، والي تثبت إنه سحب مبالغ من الشركة بدون وجه حق وحولها لحسابات وهمية بغرض تهريبها برة مصر.. بمساعدة أطراف تانية”.

في اللحظة دي بالظبط، تليفون طارق اللي كان مرمي على التربيزة رن.

الاسم المكتوب على الشاشة كان: **”رانيا”**.

الظابط شاور لعسكري ياخد التليفون، بس أنا قلتله بنبرة هادية: “يا فندم.. من فضلك، افتح الاسبيكر.. أظن المكالمة دي هتفيد التحقيق جداً، وهتكمل الصورة”.

الظابط بص لأستاذ عاصم، وعاصم هز رأسه بالموافقة. الظابط فتح الخط وفتح الصوت.

صوت رانيا طلع، بس المرة دي مكنش فيه لا دلع ولا ضحك خبيث.. كان صوت واحدة بتصوت والنفس هربان منها: “طارق! الحقني يا طارق! خالد جه من السفر فجأة ومن غير ما يقول.. خالد معاه تسجيل لينا وإحنا بنتكلم في تليفون العربية يا طارق! معاه عقود الشقة بتاعة التجمع وعارف كل حاجة.. قالب البيت عليا وخد مني الولد وطردني بالهدوم اللي عليا في الشارع، وقالي إنه رايح يعمل بلاغ زنا وبلاغ سرقة في مباحث الأموال العامة! طارق رد عليا.. إحنا اتكشفنا يا طارق.. هنعمل إيه في الفلوس اللي برة؟”

الأوضة كلها كانت بتسمع، وطارق كان بيبص للتليفون وكأنه بيشوف حبل المشنقة بيتلف حوالين رقبته بالبطء. رانيا كانت بتصرخ وهي مش عارفة إن كل كلمة بتقولها بتثبت التهمة عليه وعليها رسمي في حضور الشرطة.

بصيت لطارق وقلتله بصوت واطي وواضح: “أربع دقايق واثني عشر ثانية يا طارق.. كانت كافية إنها تهد حياتكم زي ما هديتوا حياتي ونمتوا على وجعي”.

الظابط قفل المكالمة، وبص للعساكر: “هاتوه.. واعملوا نشرة ضبط وإحضار للمدعوة رانيا”.

طارق وهو بيتقاد من كلبشات الحديد، لف وشه وبصلي بنظرة مليانة غل وندم وعجز، وقال وعينيه مدمعة: “مش هرحمك يا ندى.. مش هسيبك”.

ضحكت لأول مرة من قلبي من يوم الحادثة، وقلتله: “المحكمة هي اللي مش هترحرك يا حبيبي.. مع السلامة”.

قفل الباب وراهم، والأوضة فضيت تماماً. قعدت على الكنبة، وحسيت بنسمة هوا باردة ونقية بتدخل من الشباك. أستاذ عاصم قعد جنبي وحط إيده على كتفي: “كده الجزء الأول من حقك رجع يا بنتي.. طارق ورانيا في المصيدة، والـ 5 مليون جنيه بتوع أبوكي الله يرحمه في حفظ الله في حسابك الشخصي برة وجوة مصر، ومحدش يقدر يلمس منهم قرش”.

نزلت راسي وأنا حاسة بنصر حقيقي، بس جوايا سؤال واحد كان لسه بيدور.. طارق ورانيا مش هيسكتوا، والمحاكمة لسه هتبدأ، واللعب في المحاكم والمستندات اللي طارق ممكن يطلعها في التحقيق لسه فيها كلام كتير.

بصيت لأستاذ عاصم وقلتله: “إحنا لسه مخلصناش يا أستاذ عاصم.. طارق في التحقيقات هيحاول يجرني معاه، ورانيا لما تتمسك هتبيع طارق وتتبلى عليا.. الخطوة الجاية إيه؟”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

أستاذ عاصم سكت لثواني، عدّل نظارته، وبصلي بنظرة كلها فخر ودهاء وقال: “الخطوة الجاية يا ندى.. هي اللي هتخلي القاضي ينطق بالحكم من أول جلسة من غير ما يديهم فرصة يتنفسوا. طارق ورانيا هيدخلوا التحقيق وكل واحد فيهم معاه خنجر عايز يغرزه في ضهر التاني عشان ينجي بنفسه.. وإحنا اللي هنسلمهم الخناجر دي”.

في اليوم التالي، كنت قاعدة في مكتب أستاذ عاصم بنتابع الأخبار. رانيا اتقبض عليها الفجر في بيت واحدة من قرايبها كانت مستخبية عندها. خالد جوزها مسبهاش، قدم للمحكمة والنيابة كل المستندات وصور التحويلات اللي بتبعتها من وراه لطارق، وشريط تسجيل المكالمة اللي مدته 4 دقايق و12 ثانية دخل الأحراز رسمي كدليل قاطع على التآمر والنية المبيتة للنصب والسرقة.

عاصم بيه جاله تليفون من واحد من رجاله في النيابة، قفل وبصلي وهو يبتسم: “زي ما توقعت بالظبط.. اللعب بدأ. طارق في التحقيق انكر كل حاجة، وقال إن الفلوس دي كانت إدارة أعمال لشركتك، ورمى كل التهم على رانيا، قال إنها هي اللي كانت بتغويه وتوزّه عشان يسرقك وهي اللي طلبت شقة التجمع. ورانيا لما عرفت إنه باعها بالرخيص، انهارت واعترفت بكل حاجة عليه.. اعترفت إنه كان بياخد فلوس الغربة بتاعة جوزها ويشغلها لحسابه ويضحك عليها بوعود الجواز”.

قلتله وأنا حاطة رجل على رجل: “يعني هما دلوقتي بيقطعوا في بعض؟”

عاصم بيه: “بالظبط.. وده الوقت اللي هنرمي فيه ورقتنا الأخيرة. طارق فاكر إنه طالما مضى على عقود قرض من الشركة، فالموضوع مدني وممكن يطول في المحاكم.. بس هو نسي حاجة مهمة أوي. تفتكري الشيكات الـ 4 اللي مضى عليهم على بياض السنة اللي فاتت لما كان بيشتري بضاعة للشركة وطلب مني أشيلهم في الخزنة كأمانة؟”

فتحت عيني على آخرهم واستوعبت: “الشيكات دي لسه معاك؟”

عاصم بيه طلع من جيبه ظرف أبيض مقفول: “الشيكات دي مكنتش للبضاعة يا ندى.. أبوكي الله يرحمه كان دايماً قاري طارق وعارف إنه طماع، وخلاه يمضي عليهم كضمان خفي للشركة ومقاليش استخدمهم إلا لو طارق غدر ببنتي. أنا مليت الشيكات دي بمبالغ خيالية تدخل تحت بند خيانة الأمانة وتبديد أموال القُصّر والشركاء.. الشيكات دي لو اتوجّهت مع قضية النصب، طارق مش هيرجع بيته تاني قبل 15 سنة سجن مشدد”.

في نفس اليوم بالليل، جالي اتصال من رقم غريب.. رديت، طلع صوت محامي طارق. صوته كان متوتر وبيحاول يظهر بمظهر القوي: “مدام ندى.. أنا بكلمك بصفتي وكيل عن طارق بيه. طارق مستعد يتنازل عن كل شيء، ويمضي على الطلاق في النيابة فورا، ويرجعلك الشقة والعربيات، مقابل إنك تتنازلي عن الشق الجنائي وقضية النصب.. إحنا ولاد ناس يا مدام ندى ومفيش داعي للفضايا في المحاكم، والصلح خير”.

أخدت نفس طويل، وبصيت لصورتي في مراية الأوضة.. الوش الباهت اللي شفته يوم المحور والمطر مابقاش موجود، ملامحي بقت حادة، قوية، وعينيا فيها لمعة نصر تزلزل.

قلت للمحامي بصوت هادي لدرجة الرعب: “قول لموكلك.. الصلح ده كان ممكن يحصل لو كان الموضوع فلوس بس.. إنما طارق ورانيا سرقوا مني عمري، اتريقوا على دمي اللي سال في العمليات، وعلى ولادي اللي نزلو من أحشائي قبل ما يشوفوا النور.. قول لطارق إن الـ 4 دقايق و12 ثانية بتوعه، تمنهم هيكون 12 سنة سجن و4 حيطان يكلم فيهم نفسه.. قفل السكة يا متر.. عشان أنا اللي هقفلها المرة دي”.

قفلت السكة في وشه، وبصيت للساعة.. بكره الصبح الساعة 10 هكون واقفة في المحكمة.. مش كضحية مكسورة بتعيط، لأ.. هكون واقفة كقاضي وجلاد بيتفرج على نهايتهم.. النهاية اللي هتبدأ كمان كام ساعة بس.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الساعة دقت عشرة الصبح.

الجو بره قاعة المحكمة كان مغيم، ونسمة هوا باردة بتفكرني بريحة يوم المحور، بس الفرق إني النهارده مكنتش لوحدي، ومكنتش خايفة. أستاذ عاصم كان واقُف جنبي، لابس روب المحاماة الأسود بتاعه كأنه فارس يستعد لقطع رقبة الباطل.

الباب اتفتح، ودخلت القوة الأمنية وجايبين طارق ورانيا بالكلابشات.

طارق كان وشه دبلان، دقنه نبتت وبقت مخلطة بأبيض، وهدومه الشيك بقت متبهدلة. أول ما عينه جت في عيني، حاول يداري عكازه النفسي وبص في الأرض. أما رانيا.. فكانت شبه ميتة؛ وشها باهت من غير مكياج، وعينيها منفوخة من العياط، ولابسة إيشارب مدارية بيه نص وشها من نظرات الناس وفضايح الصحافة اللي كانت واقفة بره.

جوزها خالد كان قاعد في آخر القاعة، حاطط إيده على دماغه ومبيبصلهاش أصلاً، كان مستني بس اللحظة اللي يخلص فيها الكابوس ده.

“محكمة!”

الكل وقف في صمت مهيب. الحاجب نادى على القضية، وأستاذ عاصم وقف وبدأ مرافعته اللي هزت حيطان القاعة. مكنش بيتكلم بالقانون بس، كان بيتكلم بالحق والعدل. قدم الشيكات الأربعة اللي بتمثل خيانة الأمانة، وقدم تقرير البنك السويسري اللي بيثبت إن الفلوس اتحولت لحسابي أنا مش لحسابهم، وقدم المفاجأة الكبرى: تقرير خبير الأصوات الشرعي اللي بيؤكد إن الأصوات اللي في التسجيل هي لطارق ورانيا بدون أي تلاعب أو تزوير.

القاضي، وهو راجل وقور وعينيه بتطق شرار من كمية الخسة اللي في القضية، طلب سماع التسجيل في الجلسة.

الأوضة كلها سكتت.. وصوت طارق ورانيا طلع من سماعات المحكمة.

*”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. دي بتخنقني ساعات، ببقى مش طايق نفسي معها!”*

ضحكة رانيا الخبيثة ملأت القاعة.. صوته وهو بيتكلم عن الـ 5 مليون.. وصوتهم وهما بيتريقوا على إجهاضي وولادي اللي ماتوا.

في اللحظة دي، القاعة كلها بقيت تبص لطارق ورانيا بقرف واشمئزاز ومفيش محامي من محامينهم قدر ينطق بكلمة واحدة أو يقدم دفع واحد. رانيا بدأت تصرخ وتعيط بنهيج وتشد في شعرها، وطارق وقع على ركبه في قفص الاتهام وهو بيداري وشه بإيديه الاتنين من الخزي.

أنا كنت واقفة في نص القاعة، ضهري مفرود، وعيني ثابتة عليهم. مكنتش حاسة بوجع، كنت حاسة بنوع من الطهارة، كأن سموم السنين دي كلها بتخرج من جسمي مع كل ثانية بتعدي من التسجيل.

القاضي رفع الجلسة للمداولة لمدة ساعة.. ساعة كاملة مرت عليا وكأنها ثواني.

لما رجع، ضرب بمطرقته على المكتب وقال بنبرة هزت القلوب:

“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً: بمعاقبة المتهم طارق عبد الرحمن بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، وإلزامه برد كافة الأموال والمصاريف. ثانياً: بمعاقبة المتهمة رانيا محمود بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات بتهمة الاشتراك في النصب والتزوير وخيانة الأمانة، مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة بخصوص قضية الزنا المقامة من زوجها”.

صوت الصريخ والولولة من أهل رانيا وطارق ملأ المكان، والعساكر بدأوا يسحبوهم على السجن. قبل ما طارق يختفي ورا الباب الحديدي، لف وبصلي بنظرة رجاء أخيرة، كأنه بيترجاني أنقذه.

بصيتله، ورفعت موبايلي في الهوا، ودست على زرار الحذف.. ومسحت تسجيل الـ 4 دقايق و12 ثانية للأبد.

أنا مش محتاجة أسمعه تاني.. الدليل أخد مجراه، والحقيقة ظهرت، والعدالة خدت حق ولادي اللي ملحقوش يشوفوا الدنيا، وحق أبويا اللي فلوسه ورثتلي قوتي.

خرجت من باب المحكمة، المطر كان بدأ ينزل تاني بالراحة.. بس المرة دي مكنش مغيم ولا ممسوح بصباع مبلول. المطر كان بيغسل الشوارع، وبيغسل قلبي معاها.

أستاذ عاصم قرب مني وابتسم: “مبروك يا بنت الغالي.. أبوكي مرتاح في تربته دلوقتي”.

قلتله وأنا باخد نفس عميق ومليان حرية: “الله يبارك فيك يا عم عاصم.. يلا بينا، عشان من النهارده.. أنا هبدأ أعيش حياتي بجد”.

ركبت عربيتي، دورتها، ومشيت في طريقي.. وأنا عارفة إن الست اللي كانت نية وعلى نياتها، ماتت واندفنت، واليوم اتولدت ست جديدة.. مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *