حنين لطليقى الجزء الثاني بقلم امانى سيد
بعد خمس شهور من طلاقى حسيت بحنين لطليقى قولت أكلمه يمكن يكون حنلى هو كمان ونرجع لبعض
اتصلت بيه وقولتله انا لسه بحبك ايه رايك نرجع لبعض تانى سكت فتره وطلب يقابلنى
استغربت طريقته وقولت يمكن لما نتقابل نتعاتب ونتصالح وبالفعل جه معاد المقابله وروحت الكافتريا اللى طلب منى نتقابل فيها
فضلت مستنياه حوالى نص ساعه وبعتله رساله قالر انا فى الطريق
رجعت استنيت تانى وشويه ودخل وكان معاه واحده شكلها حلو وحاطه مكياج كتير أول ماشفنى قرب منى وبصلى وضحك بطرف بقه .
بصيت لايده اللى كان لاففها على وسط البنت اللى كانت ماشيه معاه
وقرب منى وشد الكرسى ليها عشان تقعد عليه
وبعدين عدلها شعرها ومسك اديها وباسها وهو بيبصلى وبعدين قعد جمبها
قعد وبصلي بنظرة كلها شماتة واستخفاف، لدرجة إني حسيت بنبض قلبي في وداني من كتر الصدمة. ساب إيد البنت وطلع علبة السجاير بكل برود، ولع سيجارة ونفخ الدخان في الهوا وهو بيبتسم ابتسامة صفرا، وقال: “أهو أنا بقى جبتك هنا مخصوص عشان تشوفي نظرة الشفقة دي في عيني.. أصل صعبتي عليا أوي لما كلمتيني”.
الكلام نزل عليا زي الكرباج، مكنتش قادرة أنطق، وهو كمل وهو بيطفي السيجارة بعنف في الطفاية: “أنتِ فاكرة الدنيا وقفت عندك؟ فاكرة لما تزهقي وتجربى تعيشي من غيري وتلاقيكِ مش عارفة تسوي قرش في سوق الستات، هترفعي السماعة وتقوليلي ‘بحبك ونرجع’ فجيبلك المأذون جري؟ لا يا شاطرة، أنتِ خلاص بقيتي كرت محروق بالنسبالي.. صفحة قفلتها ورميتها في الزبالة”.
التفت للبنت اللي جمبه، ومسح على شعرها بحنان مصطنع وهو بيبصلي ويتحدى عيني: “شايفة دي؟ دي اللي عرفتني يعني إيه أنوثة بجد، يعني إيه ست تريح وتتودد، مش زيك.. أنتِ كنتِ نكد وهم، عيشتيني في جحيم وكنتِ فاكرة نفسك حاجة كبيرة، وأهو أنتِ واقفة في طابور الرفوف ومحدش بيبص في وشك، وجاية بتتمسحي فيا وتتحايلي على رجوعي”.
قرب وشه مني أوي، ونبرة صوته بقت واطية بس حادة ومسمومة: “أنا وافقت أقابلك بس عشان أكسر عينك، وأوريكِ إنك ولا حاجة، وإن اليوم اللي طلعتِ فيه من حياتي كان يوم السعد عليا. أنا دلوقتي عايش ملك، مع واحدة بموت فى تراب رجليها.. أما أنتِ بقى، فاخدي بعضك وامشي، ولمي الباقي من كرامتك لو كان لسه فيكِ كرامة أصلاً، ومشوفش رقمك ده متسجل عندي تاني”.
البنت سحبت إيدها من إيده براحة، وسندت ضهرها لورا على الكرسي، وبصتلي من فوق لتحت بنظرة كلها قرف وتكبر، وضبطت خصلة من شعرها وهي بتنفخ بضيق مصطنع وقالت: “بقولك إيه يا حبيبتي.. أنا بجد مش قادرة أستحمل منظرك ده أكتر من كده! بجد شكلك يصعب على الكافر”.
ضحكت ضحكة صفرا خبيثة وبصت لطليقي وقالتله: “أنا بجد مش مصدقة ذوقك القديم يا بيبي! هي دي بقى اللي كنت بتسميها ست؟ دي مفيهاش ريحة الأنوثة اصلاً، لبسها وشكلها يقطع الخميرة من البيت! أنا لو مكانها وجاية أتحايل على راجل يرجعلي، كنت على الأقل كلفت نفسي وداريت الوش الشقيان ده بشوية مكياج يفتح النفس”.
رجعت بصتلي تاني وعينها بتلمع بشماتة وتكبر، وقالت بنبرة كلها تريقة: “أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تقفي قدامي ولا تقارني نفسك بيا؟ أنتِ خلاص كبرتِ وعجزتِ، والزمن علم عليكِ.. يعني بالمختصر كده، صلاحيتك انتهت كست! طليقك ده دلوقتي بقى بتاعي أنا، بفلوسه، بعزه، بدلاله.. ومبقاش يشوف غيري. فوفري على نفسك الشحاتة والنحنحة دي، لأن اللي زيك آخرها تبص علينا من بعيد وتتحسر”.
قامت وقفت، ولمت شنطتها الماركة بغرور، وبصتلي وبصوت واطي ومليان إهانة قالت: “يلا يا شاطرة.. خدي بعضك واتكلي على الله، متقعديش تتلفتي حوالينا زي الشحاتين.. كفاية أوي كسر العين اللي أنتِ فيه النهاردة.. مش ناقصين قرف الصراحة”.
السبب اللى خلانى اجى انهارده انى سمعت مكالمتك معاه امبارح ولما سكت كنت بقوله وافق وجيت انهارده مخصوص عشان اعرفك قيمتك كويس انتى ولا حاجه وهو ولا هيفكر فى يوم يرجعلك
اصله استحاله يسيب التفاح الامريكانى ويبص للجميز
مبقتش سامعة حاجة.. حرفياً وداني كان فيها صفارة قوية سدت كل الأصوات اللي حواليا، والكلام كان بيوصلني مشوش، بس نظرات الشماتة والسواد اللي في عينيهم كانت واضحة وزي الخناجر. الدنيا لفت بيا، والمكان كله بدأ يضلم في عيني.
حسيت بريق ناشف مش قادرة أبلعه، ودموعي كانت محبوسة في عيني وبتحرقني، بس كان فيه بقايا كبرياء جوايا حلف ميت دموعي دي ما تنزل قدامهم، ولا يشوفوا انكساري أكتر من كده.
مسكت شنطتي بإيد بتترعش، وقمت وقفت على رجلي بالعافية وأنا حاسة إن الرصيف بيميد بيا. بصيتله هو الأول.. النظرة الأخيرة اللي بتكتشف فيها إن الشخص اللي أنت حبته في يوم من الأيام، وشاركت معاه سقف بيت واحد، طلع مجرد مسخ، بني آدم ناقص ومريض، وجاي يعوض نقصه ده بتمثيلية رخيصة.
بصيت للبنت اللي معاه، اللي كانت واقفة بتعدل شنطتها ومنتفخة بغرور، وقولت بصوت هادي، طالع بالعافية بس ثابت: “التفاح الأمريكاني اللي فرحان بيه ده يا ‘بيبي’، بكرة يدود وتعرف إن ملوش طعم، والجميز اللي مش عاجبك.. على الأقل أصيل ومبيتكشفش في أول سوق”.
لفيت ضهري ومشيت.. مشيت وأنا مش شايفة قدامي. كل خطوة كنت بتمشاها بعيد عن الكافيتريا كانت بحمل جبال على كتافي. خرجت للشارع والهوا خبط في وشي، و أول ما بعدت عن عيونهم، وعيون الناس في المكان، دموعي نزلت زي المطر.. دموع قهر، مش على رجوعي ليه، ولا على كلامه، أنا كنت ببكي على نفسي.. على الخمس شهور اللي عشتهم وأنا فاكرة إن الوجع كان بسبب غيابه، ومكنتش فاهمة إن ربنا كان بيحميني من قربه.
ركبت أول تاكسي قابلني، رميت راسي على الشباك وأنا بتفرج على شوارع القاهرة اللي بتجري من جنب عيني، وشريط حياتي كله بيتعاد. سألت نفسي: أنا إزاي هان عليا نفسي كدة؟ إزاي سمحت لواحد زي ده يكسرني الكسرة دي؟
بس وسط الوجع ده كله، كان فيه صوت صغير جوايا بدأ يصحى.. صوت بيقولي إن القلم ده، رغم قسوته ورغم إنه غالي أوي، كان لازم ييجي. كان لازم أفوق من وهم “الحنين” وأعرف إن الباب ده اتقفل برحمة من ربنا، وإن الوش الحقيقي اللي شفته النهاردة هو الوش اللي كنت هعيش معاه في جحيم لو كنت رجعتله.
وصلت البيت، دخلت أوضتي وقفت قدام المراية. بصيت لوشي “الشقيان” اللي تريقت عليه.. الوش اللي تعب وشال واستحمل نكد وهم سنين مع راجل مبيعرفش يعني إيه أصل. مسحت دموعي بعنف، وأخدت نفس طويل.. طويل أوي، وحسيت لأول مرة من خمس شهور إن الوجع بدأ يتحول لحاجة تانية.. بدأ يتحول لقوة.
فتحت دولابي، طلعت هدومي ودخلت الحمام. فتحت المية الساقعة ونزلت تحتها بكامل هدومي، كنت عايزة أغسل الوجع، وأطفي النار اللي قادت في جسمي من كلامهم. المية كانت بتنزل على وشي وتختلط بدموعي، وساندة راسي على الحيطة وأنا بترعش.. بس الرعشة دي مكنتش من الساقعة، دي كانت رعشة الصدمة وهي بتطلع من عروقي.
قعدت في الأرض والمية نازلة عليا، وافتكرت كلمتها: “صلاحيتك انتهت كست”. ضحكت وسط بكايا ضحكة عالية ومكتومة.. أنا صلاحيتي تنتهي؟ أنا اللي شيلت، واستحملت، وبنيت، وهدّيت من صحتي وعمري عشان أعمل بيت؟ الأيام والشقا اللي على وشي دول هما شرفي وأصلي، مش عيبي!
قمت، غيرت هدومي، ونشفت شعري. وقفت تاني قدام المراية، وبصيت لملامحي كويس جداً. المرة دي مش بانكسار، المرة دي بتحدي. قولت لنفسي: “أنتِ مشيرة.. أنتِ اللي مفيش أزمة كسرتك، والراجل اللي هانك النهاردة عشان يداري نقصه قدام واحدة تانية، بكرة يلف حوالين نفسه لما يعرف قيمتك بجد.. بس ساعتها مش هيلاقي حتى رمادك”.
مسكت تليفوني.. فتحت قفل الشاشة وإيدي ثابتة مبترتعشش. دخلت على اسمه، وعملت “حظر” من كل حتة.. اتصال، واتساب، وفيسبوك. مسحت الرقم نهائياً وكأنه لم يكن. خطوة مسح الرقم دي كانت بالنسبالي زي اللي بيقفل باب القبر على جثة ماتت وعفنت ومبقاش ليها مكان وسط الأحياء.
فتحت اللاب توب بتاعي، وقعدت على السرير. كنت محتاجة أهلك تفكيري في أي حاجة تانية.. في شغلي، في رواياتي، في طموحي اللي أجلته كتير عشانه. فتحت صفحة بيضا، وبدأت صوابعي تتحرك على الكيبورد بعنف، كنت بكتب وبفرغ كل شحنة الغضب والقهر دي في الكلمات. كل كلمة بكتبها كانت بتسحب حتة من الوجع وتطلعه برة قلبي.
تليفوني نور جنب مني.. كانت رسالة من واحدة صاحبتي بتطمن عليا. مكنتش قادرة أحكي، ومكنتش عايزة صعبانيات من حد. كتبت لها: “أنا كويسة جداً يا حبيبتي، الحمد لله.. فوقت”.
وفعلاً، أنا كنت فوقت. القلم كان غالي وموجع ودمّر كرامتي في لحظتها، بس في وقته.. صحاني من وهم كبير اسمه “يمكن يتصلح”. عرفت إن ربنا لما بيبعدنا عن حد، مبيكونش بيحرمنا، ده بيكون بيحمينا.
نمت ليلتها نوم عميق، من غير كوابيس، ومن غير ما أصحى في نص الليل أعيط وأسأل نفسي هو بيعمل إيه ومن غيري إزاي. صحيت تاني يوم الصبح، والشمس داخلة من الشباك، بصيت للسما وابتسمت ابتسامة حقيقية وقولت: “لعله خير.. والمسرحية الرخيصة دي كانت آخر مشهد في كتاب قذر، والنهارده ببدأ كتاب جديد خالص”.
عدى أسبوع.. وأسبوع ورا أسبوع، والموضوع بدأ يتحول من وجع وقهر لتحدي حقيقي مع النفس. مشيرة القديمة اللي كانت بتصحى بدموع وعين مانمتش خلاص اختفت، وحل مكانها حد تاني خالص.. حد هادي، بارد، ومركز جداً في مستقبله.
نزلت اشتريت هدوم جديدة، غيرت قصة شعري، وبدأت أهتم بنفسي من تاني، مش عشان حد ولا عشان أثبت للي يسوى واللي ميسواش إني حلوة، لأ.. كنت بعمل ده لنفسي، عشان أصالح مشيرة على كل يوم قصرت فيه في حق نفسها.
وفي يوم، كنت قاعدة في كافيه براجع المسودة الأخيرة للرواية الجديدة اللي كنت بكتبها بكل شغفي، وفتحت الفيسبوك بالصدفة من أكونت الشغل الشبه مهجور بتاعي. لقيت قدامي بالصدفة البحتة بوست نازل على جروب مشترك.. كان هو.
نزلت عيني على صورته.. كان باين عليه الهم، وشه خطط والتجاعيد بدأت تظهر عليه، ولابس قميص مش مكوي، حتى البنت اللي كانت معاه مكنتش موجودة في أي مكان في بروفايله، وعرفنا بعد كدة من ناس مشتركة إن “التفاح الأمريكاني” سابته وراحت لغيره أول ما لقت فلوسه بدأت تقل، وإنه اكتشف إن الدلال والمكياج الكتير مبيعملوش بيت، ولا بيشيلوا راجل في محنته.
بصيت لصورته ولقيت نفسي مفيش جوايا أي مشاعر.. لا شماتة، ولا زعل، ولا حتى حنين. كان بالنسبالي مجرد شخص غريب عابر شوفت صورته بالصدفة في الشارع. حسيت براحة غريبة وملت قلبي، وقرفت من نفسي إني في يوم من الأيام عيطت بسببه أو نزلت من كرامتي علشانه.
قفل تليفوني وحطيته في الشنطة، وأخدت نفس عميق وأنا ببتسم وبصيت لصفحات روايتي اللي قربت تخلص.. الرواية اللي بكتب فيها بكل فخر عن الست القوية اللي بتقوم من تحت الأنقاض وتبني نفسها من جديد.
وفجأة تليفوني رن برقم غريب.. رقم مش متسجل عندي. قلبي مَدقش ولا اتهز، رديت بكل برود وهدوء: “ألو؟”.
جالي صوته من الناحية التانية.. صوت مهزوز، مكسور، ومليان ندم وهو بيقول: “مشيرة.. أنا آسف.. أنا عارف إني ماليش عين أكلمك، بس الدنيا لفت بيا وعرفت إنك كنتِ كل حاجة حلوة في حياتي.. أنا محتاجلك أوي”.
ضحكت ضحكة خفيفة من قلبي.. ضحكة حقيقية مش صفرا ولا خبيثة، وقولتله بكل ثقة وثبات: “أهلاً يا جاسر.. للأسف، الصلاحية انتهت، والكرت المحروق مبيولعش تاني.. مع السلامة”.
قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى رده، وعملت للرقم الجديد حظر. قفلت اللاب توب بتاعي، ولميت حاجتي، وقمت مشيت وأنا حاسة إني طايرة.. الأرض مش سايعاني من الفرحة، مش عشان ندم، بس عشان عرفت وتأكدت إن حقي رجعلي تالت ومتلت، وإن ربنا ما يضيعش حق حد أبداً.
