ضرتى ٢ امانى سيد

 

لم تكن صفعة “شيماء” على وجهي مجرد إهانة جسدية، بل كانت الصخرة التي حطمت غشاوة المغفلة عن عيني. نظرتُ إلى “ناجي” وهو يمسد على يدها ويسألها بنبرة حنونة لم أسمعها منه منذ سنوات: **”وجعاكي يا حبيبتي؟”**.

في تلك اللحظة بالذات، جفت دموعي تماماً. شعرت بحرارة غريبة تسري في عروقي، لم يعد هناك مكان للبكاء أو الاستعطاف. تراجعت خطوتين إلى الخلف، ونظرت إليهما بثبات هزّ ثقتهما، وقلت بصوت خفيض هادئ يخرج من بين أسناني:

> “البيت ده اندفع تمنه من شقايا ودهب أمي اللي بعته عشان أأمن مستقبلك ومستقبل عيالك. القلم ده هيردلكوا.. بس مش بإيدي، بالقانون اللي هيجيبكم الأرض.”

>

التفتُّ ومشيت في ردهة العمارة المظلمة، وضحكات شيماء المستهزئة تطاردني من خلف الباب وهي تقول: “أعلى ما في خيلك اركبيه يا شاطرة، الشقة باسم ناجي والورق رسمي!”

 

عدت إلى بيتي مع الفجر. لم أنم لدقيقة واحدة. جلست أرتشف كوباً من القهوة السادة وعقلي يعمل كآلة حاسبة دقيقة. علمت أن الصراخ والفضائح في الشارع سيعطيانه فرصة لإخفاء معالم جريمته، لذا قررت استخدام استراتيجية “النوم في عسل الأمان”.

 

في الصباح الباكر، استغللت عدم وجود ناجي في شقتنا القديمة، وبدأت تفتيش مكتبه بدقة. عثرت على خزنة صغيرة كنت أعرف مكان مفتاحها السري. فتحتها ووجدت الكنز:

* **عقد الشقة الأخضر الأصلي:** وكان الصدمة أنه مسجل باسمه فعلاً، لكن وجدت خلفه “إيصال استلام نقدية” من صاحب العقار القديم يثبت تاريخ الشراء بالتفصيل.

* **كشوفات الحساب:** وجدته قد سحب مبالغ من حسابه تُطابق تماماً ما أخذه مني، وقام بتحويلها لحساب شركة تشطيبات وديكورات.

 

توجهت إلى “الحاج مرسي”، الجواهرجي الذي بعت له ذهبي وهو صديق قديم لوالدي رحمه الله.

عندما رأى وجهي الشاحب وعلم بالقصة، قال بغضب: “يا بنتي ناجي جالي من أسبوع بيطلب مني فواتير جديدة باسمه للدهب اللي إنتي بعتيه، وأنا طردته! خدي المستند ده”.

أعطاني شهادة رسمية مختومة من المحل تفيد بأنني أنا من قمت ببيع الذهب (بالوزن والعيار والقيمة) وأن المبالغ سُلمت في يدي نقداً بشهادة العمال.

ثم ذهبت للبنك واستخرجت كشف حساب يثبت سحب مدخراتي بالكامل في نفس يوم كتابة عقد الشقة.

 

توجهت بكل هذه الأوراق إلى مستشار قانوني كبير في قضايا الأموال والأسرة. بعد أن درس الأوراق، ابتسم بذكاء وقال:

> “زوجك وقع في خطأ قانوني قاتل. لقد اشترى الشقة في فترة الزوجية وبأموال ثبت خروجها من حسابك وبيعت من مصاغك الخاص، ولدينا شهادة الجواهرجي وكشف الحساب البنكي، وتاريخ الشراء يتطابق باليوم والساعة مع سحب الأموال. سنرفع دعوى (إثبات ملكية وبطلان عقد لصوريته)، بالإضافة إلى قرار تمكين مستعجل.”

>

طلب مني المحامي أن أتصرف طبيعياً تماماً إذا واجهت ناجي، حتى لا يقوم ببيع الشقة لشيماء أو لأي شخص آخر بعقد بيع ابتدائي يضيع حقنا

بعد يومين، عاد ناجي إلى البيت متسللاً، وعلامات الكبرياء والغرور تعلو وجهه. ركل حذاءه وجلس مستنداً إلى الأريكة وقال ببرود:

> “أظن إنتي شوفتي وشوفتي مراتي وعرفتني مقامك. أنا اتجوزت شيماء عشان بتفهمني ومابتنكديش عليا. والشقة دي بتاعتها، وإنتي هنا ليكي الأكل والشرب والستر عشان العيال. لو عاجبك قسماً بالله هرميكي في الشارع.”

>

تنحنحت، واصطنعت الانكسار والدموع، ونكست رأسي قائلة:

“اللي تشوفه يا ناجي.. أنا ماليش غيرك أنت والعيال، والشيطان شاطر. أنا بس اتصدمت لما شوفتها، وحقك عليا مش هكررها تاني.. بس بلاش تطلقني وتضيع العيال.”

انطلت عليه الحيلة تماماً! ارتاح ظناً منه أن القلم كسر كبريائي، ولم يكن يعلم أنني كنت أسجل له هذه المحادثة بالصوت والصورة عبر هاتف مخفي، وهو يعترف بلسانه أن الشقة تم شراؤها لـ”شيماء” بأموالنا ليرضيها!

مر شهر كامل وناجي يعيش في وهم الانتصار، يقسم وقته بين الشقتين، وينفق ببذخ على شيماء من بقية أموالي. وفي صباح يوم ثلاثاء، وبينما كان ناجي وشيماء يتناولان الإفطار في شقتهما الفاخرة، طُرق الباب بعنف غير طبيعي.

فتح ناجي الباب ل يجد أمامه: **معاون التنفيذ من المحكمة، يرافقه ضابط مباحث وقوة من الشرطة، وكنت أقف أنا والمحامي خلفهم بثبات.**

صاح ناجي بذهول: “في إيه؟ إيه القوة دي كلها؟”

تقدم معاون التنفيذ وقرأ بصوت جهوري هز أركان الشقة:

> “بناءً على الحكم الصادر في الدعوى رقم (…) لسنة ٢٠٢٦، وبناءً على قرار قاضي الأمور المستعجلة، تم إثبات صورية عقد البيع لصالح السيدة الزوجة الأولى (أنا)، وتم فرض الحجز التحفظي على كافة منقولات الشقة وأثاثها لثبوت شرائها من أموال باطلة، وتأمر المحكمة بتمكين الزوجة الحاضنة من العين فوراً وطرد المتواجدين بها!”

>

صعقت شيماء وخرجت بملابس البيت تصرخ: “شقة مين وعفش مين! ده مالي وده جهازي! ناجي اتصرف!”

رد عليها المحامي بنبرة ساخرة: “جهازك إيه يا مدام؟ فواتير التكييفات والنجف والأثاث كلها طالعة من حساب شركة المقاولات اللي اندفعت من فلوس موكلتي، وعندنا حكم محكمة نهائي.”

بدأ رجال الشرطة والمحضر في جرد المكان. التفتُّ إلى شيماء التي كانت ترتجف خوفاً من الفضيحة وسط جيران العمارة الراقية، وخطوت نحوها بخطوات ثقيلة وثابتة.

نظرت في عينيها مباشرة، ورفعت يدي بكل ما أوتيت من قهر وألم الشهور الماضية، **وهبطت بها على وجهها بصفعة مدوية جعلتها تترنح وتسقط على الأريكة!**

صاح ناجي برعب: “إنتي بتمدي إيدك عليها قدام الشرطة؟”

التفتُّ إليه، ونظرت إليه باحتقار لم يره في عيني من قبل، وقلت له بجبروت امرأة استردت كرامتها:

> “وريني بقى يا ناجي.. هتروح تبوس إيدها تاني وتقولها وجعاكي؟ ولا هتبوس رجلي عشان ما أسجنكش بتهمة النصب والتبديد وخيانة الأمانة؟ شقايا ودهبي رجعوا لي، والبيت ده بتاعي أنا وعيالي.. وإنتوا الاتنين مالكوش مكان هنا.. يلا برة بشحطكم!”

>

لم يستطع ناجي النطق بكلمة، فالقانون كان أقوى من جبروته. أخرجتهم الشرطة من الشقة بملابسهم وسط نظرات الاحتقار من الجيران الذين تجمعوا على صوت الفضيحة.

لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى تخلت “شيماء” عن ناجي؛ فقد تبين لها أن “العريس الغني” ما هو إلا مخادع سرق أموال زوجته الأولى ليتفشخر بها، وبمجرد أن جُرد من أمواله وشقته وطُرد في الشارع، أقامت ضده دعوى خلع وتركته يواجه مصيره وحده.

أما ناجي، فقد انهار مستقبله بالكامل، ولم يجد مأوى سوى غرفة قديمة في بيت عائلته، ملاحقاً بقضايا النفقة ومتجمد المصاريف التي رفعها محاميّ الخاص لتأمين مستقبل أولادي.

أما أنا، فقد جلست في شقتي الجديدة الواسعة، وسط أولادي، أنظر إلى النجف المودرن والأثاث الشيك الذي دُفع من عرق جبيني، وأدركت يومها حكمة غالية: **أن الطيبة بلا مخالب هي ساذجة، وأن الحقوق في هذا الزمن لا تُستجدى بالدموع والخنوع، بل تُؤخذ بقوة الذكاء وسلطان القانون.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *