جواز على الورق
هنتجوز. أنا وإنتي. جواز على الورق لمدة شهر واحد بس. عشان أرد كرامتي قدام الناس كلها… أوريهم إن جاد الجارحي مبيترفضش، وإن هو اللي بيختار. وبعد الشهر… هطلقك… وأتجوز بنت عمك بسنت زي ما إنتي عايزة. ده اتفاق.
رحمة فتحت بوقها من الصدمة أتجوزك… أنا؟! بس أنا…
جاد ابتسم نص ابتسامة باردة، أول ابتسامة تشوفها على وشه أيوه إنتي. ده اتفاق. هعيشك في مستوى عمرك ما حلمتي بيه. أكل وشرب ولبس وقصر. وفي المقابل، هتمثلي دور مراتي شهر واحد. قدام أمي، قدام عيلتي، قدام الدنيا كلها. موافقة ولا مش موافقة؟
رحمة بصت للأرض… هي في الشارع، ومطرودة، وجعانة، وبردانة. وده الحل الوحيد عشان تنقذ بسنت بنت عمها… وتنقذ نفسها من المرمطة. شهر واحد وتخلص من الذل ده كله.
رفعت راسها وعينيها لسه فيها دموع وقالت بصوت مهزوز موافقة.
جاد رجع خطوة لورا، وعدل كُم قميصه وقال مبروك يا مدام جاد الجارحي… مؤقتاً.
جاد بص في ساعته الرولكس وقال ببرود المحامي بتاعي هيكون هنا كمان ساعة. هنكتب عقد جواز رسمي وعقد اتفاق تاني بيني وبينك. كل حاجة هتبقى على الورق.
رحمة كانت واقفة متخشبة، حاسة إن الدنيا بتلف بيها.
بس… بس الناس هتقول إيه؟ هتقول عليا خطافة رجالة؟ واخدة عريس بنت عمها؟
جاد ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس الناس كده كده بتتكلم. المهم إن بعد شهر، أنا هكون رديت اعتباري… وإنتي هتبقي أنقذتي بنت عمك زي ما إنتي عايزة. كل واحد هياخد اللي هو عايزه.
قرب منها خطوة، وريحة البرفيوم بتاعه الغالي مالية المكان، وقال بصوت واطي بس لحد ما الشهر ده يخلص… إنتي مرات جاد الجارحي. فاهمة؟ يعني هتلبسي وهتتكلمي وهتمشي زي ما أنا أقول. مفيش كسوف، مفيش راس في الأرض. إنتي هتبقي هانم… حتى لو لمدة شهر.
رحمة هزت راسها وهي مش قادرة تتكلم.
الساعة 10 بالظبط، المحامي شريف دخل المكتب بشنطة جلد. في نص ساعة كان كل الورق جاهز. قسيمة جواز، وعقد اتفاق سري بشرط الشهر والطلاق بعده.
جاد مضى من غير ما يقرأ حتى. القلم في إيده كان ثابت. لما جه الدور على رحمة، إيديها كانت بتترعش وهي بتمسك القلم. بصت لجاد ثانية، لقت عينيه فاضية… مفيهاش أي مشاعر. مضت بسرعة كأنها خايفة ترجع في كلامها.
مبروك يا عرسان قالها المحامي وهو بيضحك ومش فاهم حاجة. لم الورق ومشي.
جاد قام وقف ولبس الجاكيت بتاعه يلا.
على فين؟ رحمة سألت بخوف.
على بيتك الجديد. قالها وهو بيفتح باب المكتب. ولا فاكرة مراتي هتفضل قاعدة في الشارع؟
نزلوا للجراج. أول ما شافت العربية الفاخمة اللي مستنياه، شهقت. عمرها ما ركبت حاجة أنضف من الميكروباص.
طول الطريق مفيش كلمة بينهم. هو بيبص في موبايله، وهي لازقة في باب العربية وبتبص من الشباك على الشوارع اللي بتجري.
وصلوا كمبوند الجارحي بالاس قصر… مش فيلا. سور عالي، وجنينة قد مساحة بيت عمها كله، وحرس على البوابة ضربوا له تعظيم سلام.
دخلوا القصر. الخدم واقفين صف. مديرة القصر ست أربعينية اسمها دادا فاطمة قربت بابتسامة حمدلله على السلامة يا جاد بيه… دي الهانم؟
جاد قال من غير ما يبص لرحمة أيوه يا دادا. مدام رحمة. من النهاردة هي هانم القصر ده. اللي تطلبه يتنفذ. مفهوم؟
كلهم قالوا في صوت واحد أوامرك يا فندم.
رحمة كانت هتقع من طولها. هانم؟ هي؟ الخدامة؟
طلعها جاد لجناح كامل في الدور التاني. أوضة نوم أكبر من شقة أبوها الله يرحمه، حمام بچاكوزي، ودريسنج روم مليانة هدوم.
الدريسنج دي كلها ليكي. قال وهو ساند على الباب. بعد ساعة هيجيلك ميكب أرتست وكوافير. عندنا عشا مهم بالليل مع رجال أعمال. لازم تظهري بمظهر يليق بمراتي.
عشا؟ النهاردة؟ ! رحمة قالت بفزع. بس أنا…
إنتي إيه؟ قاطعها بحدة. قولتلك من شوية، مفيش كسوف. إنتي دلوقتي رحمة الجارحي. إتصرفي على الأساس ده. واحدة هتتعلمي.
وسابها ومشي وقفل الباب.
رحمة قعدت على طرف السرير الفخم وحطت وشها بين إيديها وعيطت. ده كابوس ولا حقيقة؟
في نفس الوقت، في فيلا فؤاد الشربتلي، الخبر كان واصل.
بسنت كانت بتكسر في الأوضة بتاعتها وبتصرخ اتجوزها؟! اتجوز الخدامة بجد؟! أنا هتجنن يا ماما! اتفضحنا في مصر كلها!
مديحة هانم بتحاول تهديها اهدي يا بنتي… ده تلاقيه بيعمل كده عشان يغيظك بس. شهر وهيطلقها ويرجعلك.
فؤاد بيه كان قاعد في مكتبه، بيشرب قهوة وماسك موبايله. جاله مسدج من رقم مش متسجل
بكرة الساعة 8، عشا في فندق النيل ريتز. أنا ومراتي مستنينكم. عشان نتعرف كعائلتين. جاد الجارحي.
فؤاد رمى الموبايل على المكتب بغيظ ابن الجارحي بيتحداني… ماشي. هنشوف آخرتها إيه.
بالليل، الساعة 7.
رحمة كانت واقفة قصاد المراية ومش مصدقة نفسها. الكوافير عملها شعرها ويفي نازل على كتفها، والميكب بسيط بس مخلي ملامحها الهادية تنطق. لابسة فستان سهرة كحلي طويل، بسيط وشيك، وعقد ألماس حوالين رقبتها كان بتاع سميرة هانم.
الباب خبط ودخل جاد. كان لابس بدلة سموكينج سودا، وشكله يخطف القلب. أول ما شافها، سكت ثانية. عينه لمعت غصب عنه. البنت الخدامة اللي كانت بتمسح الأرض، دلوقتي واقفة قصاده ملكة….يتبع
جاد وقف مكانه لحظة، كأنه بيحاول يستوعب اللي قدامه، لكن ملامحه رجعت جامدة في ثانية.
قال بهدوء يلا… اتأخرنا.
رحمة نزلت عينيها للأرض تلقائيًا.
فقال بلهجة حازمة أول قاعدة… مفيش بص في الأرض. إنتِ دلوقتي مراتي قدام الناس، ومرات جاد الجارحي عمرها ما تمشي مكسورة.
رفعت عينيها بسرعة، وحاولت تثبت نظرتها.
مد إيده ناحيتها وقال امسكي إيدي.
ترددت.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال قدام الناس بس… الاتفاق اتفاق.
حطت إيدها في إيده وهي متوترة، ونزلوا السلم الكبير.
الخدم كلهم وقفوا أول ما شافوهم.
دادا فاطمة ابتسمت بفخر وقالت ربنا يسعدكم يا ولاد.
رحمة ابتسمت بخجل، بينما جاد اكتفى بهزة بسيطة براسه.
…
بعد دقائق…
العربية وقفت قدام الفندق.
الفلاشات كانت في كل حتة.
رحمة اتفاجئت.
همست بخضة في صحافة؟
جاد رد بهدوء طبيعي… أي خبر يخص الجارحي بيبقى سبق صحفي.
باب العربية اتفتح.
نزل جاد الأول، وبعدها لف ناحيتها ومد إيده يساعدها.
أول ما نزلت…
الفلاشات ضربت في وشها.
المصورين بقوا ينادوا
جاد بيه… بص هنا. مين الهانم؟ دي المدام الجديدة؟ هو صحيح اتجوزت النهارده؟
رحمة ارتبكت جدًا.
جاد حس بتوترها، فمال عليها وقال بصوت منخفض
خدي نفس… وسيبي الباقي عليا.
وفجأة لف ناحية الكاميرات وقال بثقة
مساء الخير… أحب أعرفكم بزوجتي… مدام رحمة الجارحي.
الجملة نزلت كالصاعقة.
الصحفيين بقوا يكتبوا بسرعة.
الكاميرات اشتغلت أكتر.
رحمة كانت حاسة إن رجليها مش شايلينها.
دخلوا قاعة العشاء.
كل الموجودين وقفوا يسلموا على جاد.
لكن الأنظار كلها كانت على رحمة.
واحدة من سيدات المجتمع همست لصاحبتها
هي دي اللي اتجوزها؟!
ردت التانية وهي بتبص عليها بإعجاب
جميلة جدًا… يمكن عشان كده اختارها.
رحمة سمعت الهمس، فزاد توترها.
لكن جاد قرب منها وقال من غير ما يبصلها
ابتسمي.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
في اللحظة دي…
دخل فؤاد الشربتلي، ومعاه مديحة هانم… وبسنت.
بسنت أول ما شافت رحمة بالفستان والألماس، وشافت جاد واقف جنبها بكل ثقة…
وشها اتغير.
وقفت مكانها مصدومة.
وقالت بصوت واطي
دي… دي رحمة؟
مديحة هانم ضغطت على إيد بنتها وقالت
تمالكي نفسك… كل الناس بتبص علينا.
أما فؤاد بيه فابتسم ابتسامة دبلوماسية، ومشي لحد جاد.
مد إيده وقال
ألف مبروك
يا جاد.
جاد صافحه بثبات.
الله يبارك فيك.
ثم لف ناحية رحمة وقال بهدوء
سلمي يا رحمة.
رحمة مدت إيدها باحترام.
فؤاد صافحها وقال
مبروك يا بنتي.
ردت بأدب
الله يبارك في حضرتك.
لكن بسنت كانت واقفة، مش قادرة تمد إيدها.
كل اللي كانت شايفاه إن البنت اللي كانت بتعتبرها خدامة، بقت واقفة في المكان اللي كانت بتحلم تقف فيه هي.
وفجأة…
صاحب الحفل أعلن في الميكروفون
قبل ما يبدأ العشاء… عندنا مفاجأة صغيرة. رجل الأعمال جاد الجارحي هيعلن عن شراكة استثمارية جديدة بمليارات الجنيهات… وهيقدم لأول مرة حرمه للجميع رسميًا.
القاعة كلها سكتت.
وجاد لف ناحية رحمة، ومد إيده ليها قدام الجميع.
همس
جاهزة؟
ابتلعت ريقها وقالت
هحاول.
ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة من غير برود.
ثم أخدها وطلعوا سوا على المنصة…
لكن في آخر القاعة…
كان فيه شخص مجهول لابس بدلة سودة، واقف بيراقبهم من بعيد.
طلع موبايله، وبعت رسالة قصيرة
الخطة بدأت… ورحمة دخلت القصر زي ما كنا متوقعين.
وبعد ما بعت الرسالة، خرج من القاعة في هدوء… من غير ما حد ياخد باله جاد وقف على المنصة، وإيده ما زالت ممسكة بإيد رحمة. القاعة كلها كانت ساكتة، وكل العيون متعلقة بيهم.
أخد الميكروفون وقال بثبات
مساء الخير. أشكركم على حضوركم. وبما إن الأخبار سبقتنا، أحب أقدّم لكم زوجتي… مدام رحمة الجارحي.
تعالت التصفيقات، والكاميرات اشتغلت من جديد.
رحمة كانت بتحاول تخفي ارتجافها، لكن جاد همس من غير ما يلف وشه
اثبتي… دقيقة واحدة بس.
هزت رأسها بخفة.
وفجأة، واحدة من سيدات المجتمع رفعت إيدها وقالت بابتسامة
جاد بيه… إحنا أول مرة نشوف المدام. ممكن تقولنا اتعرفتوا على بعض إزاي؟
القاعة كلها سكتت.
رحمة اتجمدت.
الاتفاق بينهم مكنش فيه أي قصة يتفقوا عليها.
لكن جاد رد في لحظة، من غير تردد
النصيب بييجي في الوقت اللي ربنا يكتبه… وده كل اللي هقوله.
الإجابة كانت مختصرة، لكنها أنهت الأسئلة.
بدأ العشاء، وكل المدعوين بيتبادلوا الأحاديث.
رحمة كانت ماشية جنب جاد، وكل دقيقة حد يوقفهم يباركلهم.
وفجأة…
نادل كان شايل صينية مليانة أكواب عصير، واتعثر قبل ما يوصلهم.
الصينية كلها مالت ناحية رحمة.
في جزء من الثانية…
جاد شدها ناحيته بسرعة، والكوبايات وقعت واتكسرت على الأرض بدل ما تقع عليها.
القاعة كلها بصت عليهم.
النادل فضل يعتذر وهو مرعوب
حقك عليا يا فندم… والله غصب عني.
جاد بص للكوبايات المكسورة، وبعدين للنادل.
قال بهدوء غريب
حصل خير… اتأكد بس إن محدش اتصاب.
النادل تنفس الصعداء، وشكره بسرعة.
لكن جاد فضل باصص للأرض مكان الكوبايات، وكأنه بيدور على حاجة.
انحنى، ورفع واحدة من الكوبايات المكسورة.
قربها من مناخيره ثانية واحدة…
وبعدين عقد حاجبيه.
رحمة لاحظت التغيير في ملامحه وهمست
في إيه؟
رد بصوت منخفض جدًا
مفيش… كملي عادي.
لكن عينه كانت بتراقب النادل وهو بيخرج من القاعة بسرعة غير طبيعية.
بعد دقائق…
موبايل جاد اهتز.
فتح الرسالة.
كانت من رئيس الأمن الخاص بالقصر
يا فندم، في شخص مجهول حاول يدخل القصر أثناء وجودكم هنا، ولما الأمن سأله هرب. وسيب وراه ظرف مقفول باسم مدام رحمة.
جاد اتغيرت ملامحه للحظة.
خبّى الموبايل بسرعة قبل ما رحمة تشوف الرسالة.
وفي نفس اللحظة…
رفع فؤاد الشربتلي كأس العصير وقال بصوت مسموع
بما إننا مجتمعين الليلة… أحب أبارك للعروسين، وأدعوهم الأسبوع الجاي على عشاء في بيتي… عشان العيلتين يتعرفوا على بعض أكتر.
كل الموجودين بصوا على جاد منتظرين رده.
ابتسم جاد ابتسامة هادئة وقال
الدعوة محل تقدير… وإن شاء الله هنحضر.
بسنت كانت بتضغط على الكأس اللي في إيدها بعصبية، وهي شايفة رحمة بتقف جنب جاد وكأنها سيدة مجتمع من سنين.
أما جاد…
فكان عقله مشغول بالظرف اللي وصل القصر.
لأنه كان عارف حاجة واحدة…
رحمة نفسها لا تعرفها.
وهذه الرسالة… قد تقلب كل ما اتفقوا عليه رأسًا على عقب انتهى العشاء بعد ساعات من المجاملات والكلمات الرسمية، لكن جاد كان شارداً طوال الوقت.
أول ما ركبوا العربية، لاحظت رحمة إنه ساكت على غير عادته.
قالت بحذر
هو… أنا عملت حاجة ضايقتك؟
هز رأسه من غير ما يبص لها.
لا… بالعكس. أديتي الدور كويس.
سكت ثانية، ثم أضاف
أحسن مما توقعت.
رحمة لأول مرة حسّت إنها سمعت منه كلمة فيها تقدير، حتى لو كانت بسيطة.
وصلوا القصر.
لكن قبل ما العربية تدخل البوابة، مدير الأمن كان واقف مستنيهم.
أول ما نزل جاد، سلّمه ظرف أبيض سميك وقال
ده الظرف اللي بلغتك عنه يا فندم.
أخده جاد بسرعة.
كان مكتوب بخط أسود واضح
يسلم إلى مدام رحمة الجارحي… شخصيًا.
رحمة استغربت.
مين ممكن يبعتلي أنا؟
جاد فتح الظرف بحذر.
لقوا جواه ورقة واحدة فقط…
مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن وفاة أبوكي… متسأليش حد. الساعة خمسة العصر بكرة، اركبي تاكسي لوحدك وروحي للمكان المكتوب ورا الورقة.
رحمة شهقت.
وفاة… بابا؟
قلبت الورقة بسرعة.
كان فيها عنوان مخزن قديم في أطراف المدينة.
إيديها بدأت ترتعش.
بابا مات في حادث… كل الناس قالت كده.
جاد أخذ الورقة منها، وقرأها مرة تانية.
ثم قال بحزم
مش هتروحي.
رحمة رفعت عينيها نحوه.
بس لو في حد عنده الحقيقة…
قلت لأ.
نبرته كانت قاطعة.
الرسائل المجهولة دي غالبًا فخ.
رحمة سكتت، لكن الفضول والخوف كانوا بياكلوا قلبها.
…
في صباح اليوم التالي…
رحمة نزلت تتمشى في جنينة القصر.
كانت بتحاول تنسى الرسالة.
وفجأة سمعت صوت سيدة كبيرة بتنادي
رحمة…
لفت بسرعة.
لقيت سميرة هانم، والدة جاد، راجعة من رحلة علاج كانت خارج مصر من أسبوعين.
قربت منها بابتسامة حنونة.
إنتِ بقى العروسة اللي جاد خبّاها عني؟
رحمة انحنت باحترام.
أهلاً بحضرتك.
سميرة هانم مسكت إيديها بحنان.
رفعي راسك يا بنتي… أنا بحب الناس اللي في عينيها احترام.
وفي نفس اللحظة…
خرج جاد من باب القصر.
أول ما شاف أمه، ابتسم ابتسامة صادقة لأول مرة.
سميرة هانم ربّتت على كتفه وقالت
مبروك يا ابني.
ثم بصت له بنظرة ذكية.
بس عندي سؤال واحد…
جاد فهم من نظرتها إن السؤال مش هيكون سهل.
قال
اسألي يا أمي.
ابتسمت وقالت بهدوء
ليه حاسة إن الجواز ده وراه حكاية… وإنت مخبيها عن الكل؟
ساد الصمت…
ورحمة حبست أنفاسها، بينما نظر جاد إلى والدته، مدركًا أن إجابته التالية قد تكون أصعب من أي موقف واجهه منذ بداية هذا الزواج المؤقت جاد فضل ساكت لثوانٍ، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال
يا أمي… كل حكاية وليها وقتها. المهم دلوقتي إن رحمة بقت مراتي، وأتمنى تستقبليها زي ما بتستقبليني.
سميرة هانم بصت له طويلًا، وكأنها بتحاول تقرأ اللي ورا كلامه، لكنها في النهاية ابتسمت.
قربت من رحمة، ومسكت إيديها بين كفيها.
البيت ده كبير يا بنتي… بس اللي بيكبره مش الفلوس، اللي بيكبره الأخلاق. اعتبريه بيتك، وأنا من النهارده زي أمك.
دموع رحمة لمعت في عينيها.
من يوم وفاة أبوها، عمرها ما حد قالها الكلمة دي.
همست
ربنا يخليكِ ليا.
سميرة هانم بحنان، والمشهد كله كان تحت نظر جاد، اللي لأول مرة حس براحة غريبة.
لكن الراحة دي ما كملتش.
مدير الأمن دخل بسرعة وقال
جاد بيه… حضرتك طلبت تقرير الكاميرات.
أخد جاد الملف وفتحه.
كان فيه صور واضحة للشخص اللي حاول يدخل القصر.
وشه كان متغطي بكاب، لكن في صورة وهو بيجري، الكم اتزحزح شوية.
جاد ركز في الصورة، وفجأة عقد حاجبيه.
همس لنفسه
مستحيل…
مدير الأمن سأله
حضرتك تعرفه؟
جاد قفل الملف بسرعة.
لا… سيبه معايا.
لكنه كان كاذبًا.
لأنه كان متأكد إنه شاف الراجل ده قبل كده… من سنين.
…
في نفس الوقت…
رحمة كانت
طالعة أوضتها.
فتحت باب الجناح، فاتجمدت مكانها.
على السرير كان فيه صندوق خشبي صغير، مربوط بشريط أحمر.
ماكانش موجود من شوية.
قربت منه بحذر.
فتحت الغطا…
ولقت سلسلة فضة قديمة.
شهقت.
دي… دي سلسلة بابا!
كانت السلسلة اللي أبوها ماكانش بيفارقها أبدًا، واختفت يوم وفاته.
تحتها ورقة صغيرة مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي مين سرق حق أبوكي… متقوليش لحد. حتى جاد الجارحي.
وقع الورق من إيدها.
وفي اللحظة نفسها…
كان جاد واقف عند باب الجناح.
شاف السلسلة في إيدها… واتغير لون وشه.
بص لها بصدمة حقيقية وقال
السلسلة دي… جتلك منين؟
رحمة رفعت عينيها نحوه.
تعرفها؟
جاد قرب خطوة، وعينه ثابتة على السلسلة.
وقال بصوت منخفض
أعرفها… لأنها كانت مع أبوكي… آخر مرة شفته فيها قبل ما يموت.
الكلمة نزلت على رحمة كالصاعقة.
اتسعت عينيها وهي بتقول
إنت… كنت تعرف بابا؟
ساد صمت ثقيل…
وجاد أدرك أن السر الذي أخفاه لسنوات بدأ يخرج إلى النور، وأن الأيام القادمة لن تكون مجرد تمثيل لزواج مؤقت، بل بداية مواجهة مع ماضٍ لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا له رحمة رجعت خطوة لورا، وإيديها بتضم السلسلة بقوة.
قالت بصوت متقطع
يعني… إنت كنت تعرف بابا؟! ليه مخبيتوش عليا؟
جاد أخد نفسًا عميقًا، وقفل باب الجناح بهدوء.
اقعدي… ولازم تسمعي الكلام كله قبل ما تحكمي.
رحمة فضلت واقفة.
لا… اتكلم.
جاد سكت لحظة، ثم قال
أبوكي كان راجل شريف. اشتغل مع والدي أكتر من خمسة عشر سنة. عمره ما خان الأمانة، وكان من أكتر الناس اللي والدي بيثق فيهم.
رحمة شهقت.
مستحيل… بابا عمره ما حكالي.
لأنه كان رافض يدخل أسرته في شغله.
مد جاد إيده ناحية السلسلة.
السلسلة دي كنت فاكر إنها ضاعت يوم الحادث.
رحمة قبضت عليها أكتر.
يبقى الرسائل دي بتقول الحقيقة… في حد عارف حاجة.
جاد هز رأسه.
أو في حد بيحاول يوقعك.
وقبل ما يكمل…
رن موبايله.
بص للشاشة، لقى مدير الأمن.
رد بسرعة.
خير؟
جاله الصوت متوتر
يا جاد بيه… في مشكلة.
إيه اللي حصل؟
الشخص اللي ساب الظرف… ظهر تاني.
جاد اعتدل في وقفته.
فين؟
على كاميرات المراقبة… واقف دلوقتي قدام البوابة الرئيسية.
جاد خرج من الجناح بسرعة، ورحمة جريت وراه.
وصلوا لغرفة المراقبة.
على الشاشة…
كان راجل كبير في السن، لابس جلابية بسيطة وواقف قدام البوابة.
وشه كان باين المرة دي.
رحمة صرخت فجأة
عم سعيد!
كل اللي في الغرفة بصوا لها.
جاد سألها بسرعة
تعرفيه؟
ده كان صاحب بابا… وكان بيزورنا زمان.
جاد قال لمدير الأمن
دخلوه فورًا.
بعد دقائق…
دخل الراجل وهو ماسك عصاية، وشكله مرهق.
أول ما شاف رحمة، دموعه نزلت.
كبرتي يا بنت حسن…
رحمة جريت عليه.
يا عم سعيد… إنت فين من سنين؟
بصلها بحزن.
كنت مستخبي… لأن في ناس كانت عايزة تخلص مني.
جاد تدخل بهدوء
حضرتك اللي بعت الرسائل؟
الراجل هز رأسه.
أيوه.
رحمة قالت بسرعة
ليه مخوفتني؟
تنهد وقال
لأن الحقيقة أخطر من إن تتقال في التليفون.
مد إيده في جيبه، وطلع فلاشة صغيرة.
حطها على الترابيزة.
دي فيها تسجيلات ومستندات احتفظ بيها أبوكي قبل وفاته بأيام.
رحمة بصت للفلاشة وكأنها كنز.
جاد مد إيده، لكن عم سعيد سحبها بسرعة.
وقال بجدية
قبل ما حد يشوف اللي فيها… لازم أعرف حاجة.
كل الموجودين سكتوا.
بص لجاد مباشرة وقال
يا جاد… إنت مستعد تعرف الحقيقة كاملة؟
جاد رد بثبات
أيوه.
لف عم سعيد ناحية رحمة.
وإنتِ يا بنت حسن… مستعدة تعرفي إن الحادث اللي أخد أبوكي… يمكن ماكانش حادث أصلًا؟
رحمة حسّت الأرض بتميد تحت رجليها.
لكن قبل ما حد ينطق…
انطفأت الكهرباء فجأة في القصر كله.
غرقت الغرفة في الظلام.
وفي نفس اللحظة…
اتسمع صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي…
ثم دوّى جهاز الإنذار في أرجاء القصر، وأسرع أفراد الأمن نحو مصدر الصوت، بينما تشبثت رحمة بالسلسلة في يدها، مدركة أن من يطارد الحقيقة… وصل إليهم قبل أن ينطق عم سعيد بكلمة واحدة دوّى جرس الإنذار في القصر كله، وتحولت الأروقة الهادئة إلى حركة سريعة.
رجال الأمن انتشروا في كل اتجاه، بينما أخرج جاد هاتفه وأمر بحزم
اقفلوا كل البوابات… محدش يخرج ولا يدخل قبل ما نفتش القصر كله.
جاءه الرد فورًا
حاضر يا فندم.
رحمة كانت واقفة بجوار عم سعيد، وإيديها بتترعش.
قالت بخوف
الفلاشة… أهم حاجة الفلاشة.
عم سعيد حطها في جيبه الداخلي وقال
طول ما هي معايا محدش هياخدها.
بعد دقائق، اشتغلت الكهرباء تاني.
مدير الأمن دخل وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
يا جاد بيه… لقينا الزجاج المكسور في باب المكتب القديم، لكن الغريب إن مفيش حاجة اتسرقت.
جاد عقد حاجبيه.
يبقى اللي دخل كان بيدور على حاجة.
وفجأة تذكّر.
لف ناحية عم سعيد بسرعة.
الفلاشة!
لكن عم سعيد ابتسم ابتسامة هادئة.
متقلقش… لسه معايا.
تنفس جاد الصعداء.
ثم قال
ندخل المكتب ونشوف اللي فيها.
دخل الأربعة المكتب، وأغلق جاد الباب بنفسه.
وضع عم سعيد الفلاشة في يد جاد.
وصلها بالكمبيوتر.
ظهرت ملفات كثيرة.
أول ملف كان بعنوان
وصية حسن.
رحمة شهقت.
ضغط جاد على الملف.
ظهر تسجيل فيديو.
كان رجل في الخمسينات، ملامحه مرهقة لكنه يبتسم بهدوء.
رحمة انفجرت في البكاء.
بابا…
على الشاشة قال حسن
لو الفيديو ده اشتغل… يبقى أنا غالبًا مش موجود في الدنيا.
سكت لحظة، ثم أكمل
يا رحمة… لو إنتِ اللي بتتفرجي عليا، يبقى اعرفي إني بحبك أكتر من أي حاجة.
دموع رحمة نزلت بغزارة.
أما جاد فظل يركز في الشاشة.
أكمل حسن
أنا ما عملتش أي ذنب… لكن اكتشفت ناس بتحاول تستولى على حقوق شركات كبيرة بالتزوير. احتفظت بالمستندات… ولو حصلي حاجة، يبقى اعرفوا إنها مش صدفة.
نظر حسن إلى الكاميرا مباشرة وقال
يا جاد… لو وصل لك التسجيل ده، أوعدني تحمي بنتي. لأنها ملهاش حد بعد ربنا.
رحمة التفتت ناحية جاد بصدمة.
بابا… كان يعرفك؟
جاد لم يجب.
على الشاشة أكمل حسن
أنا ووالدك كنا أصحاب عمر… ولما حسيت بالخطر، استأمنت جاد على سر كبير. وقتها كان لسه شاب، لكنه وعدني إنه يحافظ على الأمانة مهما حصل.
ساد الصمت داخل المكتب.
رحمة كانت تنظر إلى جاد، وكل الأسئلة تتزاحم في رأسها.
قالت بصوت مبحوح
يعني… أنت من زمان كنت عارفني؟
أخفض جاد رأسه قليلًا، ثم قال بهدوء
كنت أعرف إن لحسن بنت صغيرة اسمها رحمة… لكن بعد وفاته انقطعت أخباركم تمامًا. حاولت أوصل لكم أكتر من مرة، لكنكم كنتم سبتوا البيت، ومحدش عرف مكانكم.
وقبل أن ترد رحمة…
ظهر إشعار جديد على شاشة الكمبيوتر.
ملف أخير بعنوان
لا يُفتح إلا إذا شعرت أن الخطر اقترب.
نظر عم سعيد إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه.
وقال بقلق
لا… الملف ده ماكنتش أتمنى ييجي اليوم اللي يتفتح فيه.
مد جاد يده نحو الفأرة…
لكن قبل أن يضغط، دوّى صوت إطلاق نار من خارج القصر، فتجمد الجميع في أماكنهم، بينما جاء صوت أحد أفراد الأمن من جهاز الاتصال
يا جاد بيه… في حد بيحاول يقتحم البوابة الرئيسية!دوّى صوت إطلاق النار في الخارج، لكن جاد رفع إيده فورًا وقال لرجال الأمن
محدش يرد بالنار إلا لو في خطر مباشر. اقبضوا عليه حي.
بعد دقائق من التوتر، وصل الخبر.
الرجل المجهول اتقبض عليه.
ولما الأمن فتش عربيته، لقوا فيها مستندات قديمة وصور وأوراق كانت بتثبت وجود شبكة تزوير كبيرة، يقودها مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين، واللي كان حسن والد رحمة اكتشف جرائمهم قبل سنوات.
أما الحادث اللي مات فيه…
فماكانش حادث عادي، لكنه كان نتيجة تخطيط لإسكاته.
عم سعيد سلّم كل الأدلة
للنيابة، وجاد استخدم كل نفوذه القانوني علشان القضية تتحقق فيها بشفافية، بعيدًا عن أي ضغوط.
بعد شهور من التحقيقات…
صدرت الأحكام.
كل المتورطين اتحاسبوا، واترد اعتبار حسن رسميًا، واتكتب في قرار المحكمة إنه كان موظفًا شريفًا حاول يحمي الأمانة حتى آخر لحظة.
رحمة وقفت قدام قبر أبوها وهي ماسكة وردة بيضا.
دموعها نزلت وهي بتقول
حقك رجع يا بابا… أخيرًا ارتحت.
وقف جاد على بعد خطوات، احترامًا لمشاعرها.
ولما خلصت، قرب منها وقال
وعدته أحميكي… والحمد لله قدرت أوفي بجزء من الوعد.
ابتسمت له لأول مرة من قلبها.
لكن كان لسه باقي وعد تاني…
وهو نهاية الشهر.
…
مرّ الشهر بسرعة.
وفي اليوم المحدد، جه المحامي شريف بالعقد.
حطه على المكتب وقال
النهارده آخر يوم في الاتفاق.
رحمة ابتسمت ابتسامة حزينة.
كانت فاكرة إن فراق جاد هيكون سهل.
لكنه بقى أقرب إنسان لقلبها.
وجاد هو كمان كان ساكت على غير عادته.
المحامي مد له ورقة الطلاق.
اتفضل يا جاد بيه.
فضل جاد باصص للورقة ثواني طويلة.
ثم أخدها…
ومزقها نصفين.
المحامي اتصدم.
يا فندم… بتعمل إيه؟
بص جاد لرحمة وقال بهدوء
الاتفاق كان إني أتجوز شهر علشان أرد كرامتي.
ثم ابتسم لأول مرة من قلبه.
لكن خلال الشهر ده اكتشفت إن ربنا ردلي حاجة أكبر بكتير من كرامتي.
رحمة دموعها نزلت.
قالت بصوت مرتعش
يعني… مش هتطلقني؟
هز رأسه وهو يبتسم.
لو القرار بإيدي… فأنا عايز أفضل متجوزك طول العمر.
وقبل ما ترد…
دخلت سميرة هانم وهي مبتسمة.
وقالت
وأنا من أول يوم كنت عارفة إن الجواز ده مش هيخلص بعد شهر.
في اللحظة نفسها، وصلت بسنت.
كانت مختلفة تمامًا.
قربت من رحمة وقالت
سامحيني… أنا ظلمتك واتكبرت عليكي. كنت فاكرة السعادة فلوس ومظاهر، لكن اتعلمت إنها أخلاق.
ربنا يسامحنا كلنا.
بعد عام…
امتلأ القصر بالفرحة.
جاد كان شايل طفلة صغيرة بين إيديه، بينما رحمة تضحك وهي تراقبه.
سميرة هانم قالت وهي تداعب الطفلة
هنسميها إيه؟
نظر جاد إلى رحمة.
ابتسمت وقالت
نسميها أمل… لأنها كانت بداية أمل جديد لكل واحد فينا.
ابتسم جاد، وقبّل رأس ابنته، ثم نظر إلى صورة حسن المعلقة في القصر، وقال في سره
اطمن… بنتك بقت في بيت يصونها، ووعدي ليك هيفضل عمره ما ينكسر.
تمت بحمد الله.
