قسوه زوج

صوت السرينة كان بيقرب ثانية بعد التانية، لكن حسام ما اهتمش. بص من شباك المطبخ بسرعة ورجع بصلها وهو بيضحك بسخرية.

“متبصيش كده… فاكرة إن حد هييجي ينقذك؟”

يارا ما ردتش.

كانت ضامة إيدها المحروقة لجسمها، وحاسة إن الوجع بينهش فيها، لكن لأول مرة من سنين، الخوف بدأ ينسحب من قلبها ويحل مكانه إحساس غريب بالراحة.

لأنها كانت عارفة إن كل كلمة وكل حركة حصلت من أول ما دخل حسام المطبخ متسجلة بالصوت والصورة.

وفجأة…

رن موبايل حسام.

بص للشاشة، ولما شاف اسم مدير الأمن بتاع الشركة، رد بعصبية.

“خير؟”

لكن ملامحه اتغيرت فجأة.

“إيه؟!… إزاي يعني؟”

فضل ساكت ثواني وهو بيسمع، وبعدها قفل المكالمة بعنف.

أبوه سأله:

“في إيه؟”

رد وهو بيحاول يبان هادي:

“مفيش… مشكلة صغيرة في الشركة.”

لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.

المدير بلغه إن فيه لجنة تفتيش وصلت الشركة ومعاها أمر بمراجعة كل الملفات المالية.

يارا ابتسمت ابتسامة صغيرة محدش خد باله منها.

هي اللي كانت بعتت المستندات للمحامية من أسبوع.

مش علشان تنتقم…

علشان لما تتحرك، تتحرك مرة واحدة.

أم حسام قربت منها وقالت باحتقار:

“قومي يا هانم اعملي اللي ابنـي قالك عليه.”

يارا رفعت عينيها وبصتلها لأول مرة من غير خوف.

وقالت بهدوء:

“لا.”

الكلمة كانت بسيطة…

لكنها وقعت على الكل زي الصاعقة.

حسام قرب منها وصفعها بقوة.

“بتقولي إيه؟”

ردت بنفس الهدوء:

“قلت لأ.”

مد إيده يمسكها، لكن في نفس اللحظة دوى جرس الفيلا.

رنات متتالية وقوية.

الحاج عبدالعظيم قام وهو متضايق.

“مين المجنون اللي جاي دلوقتي؟”

فتح الباب…

فاتفاجئ بأربعة أفراد شرطة واقفين، ومعاهم ضابطة.

قالت بثبات:

“مساء الخير… معانا بلاغ استغاثة من داخل الفيلا.”

حسام خرج بسرعة.

“أكيد في غلط.”

الضابطة بصت على يارا اللي كانت واقفة بصعوبة، وإيدها المحروقة واضحة قدام الكل.

ملامحها اتغيرت فورًا.

“مين اللي عمل فيها كده؟”

قبل ما حد يتكلم…

قالت يارا بصوت متعب:

“جوزي.”

سكت المكان كله.

أم حسام صرخت:

“بتكدبي!”

لكن الضابطة رفعت إيديها وقالت:

“محدش يتكلم.”

واحدة من الشرطيات قربت من يارا وسندتها.

ولما شافت الحرق، طلبت الإسعاف فورًا.

حسام حاول يضحك.

“يا فندم… دي حادثة مطبخ.”

يارا قالت:

“مش حادثة.”

وبصت ناحية أسفل الرخامة.

“الكاميرا صورت كل حاجة.”

حسام اتجمد.

لف بسرعة ناحية المكان اللي بصتله.

ولأول مرة لاحظ الجسم الأسود الصغير.

جرى ناحيته بعصبية وحاول يخلعه.

لكن الضابطة صرخت:

“إوعى تلمسه!”

واحد من الأمناء منعه قبل ما يوصل.

قالت الضابطة:

“الأدلة هتتحرز.”

وجهها لحسام وقالت:

“هتفضل موجود لحد ما نراجع التسجيل.”

حسام ابتدى يتوتر.

“دي بتلفقلي.”

يارا ردت:

“التسجيل هيقول الحقيقة.”

بعد عشر دقائق وصلت الإسعاف.

وأثناء ما المسعفين بيعالجوا إيدها، وصل إخطار على موبايل الضابطة.

فتحت الرسالة.

كان الفيديو بالفعل وصل للسحابة الإلكترونية قبل ما حد يحاول يمسحه.

شغلته.

الصوت كان واضح.

صوت حسام وهو بيقول:

“هتتعلمي متحرقليش اللحمة.”

وبعدها ظهرت اللحظة اللي ضغط فيها على إيدها فوق الشواية.

الصمت خيم على المكان.

حتى الحاج عبدالعظيم نزل بعينه في الأرض.

أما أم حسام، فوشها اصفر.

الضابطة قفلت الفيديو وقالت:

“كفاية.”

بصت لحسام.

“أنت مقبوض عليك.”

صرخ:

“أنا محامي يطلعني بعد ساعة.”

ردت بهدوء:

“ده حقك.”

ولما حاول يقاوم، اتكتف قدام أبوه وأمه.

وهو خارج، وقف قدام يارا وقال بصوت كله كراهية:

“هندمك.”

لكن يارا ما خافتش.

بالعكس…

قالت لأول مرة وهي رافعة راسها:

“الندم الحقيقي لسه هيبدأ.”

خرجت عربية الشرطة.

وخرجت وراها عربية الإسعاف.

وأول ما باب الفيلا اتقفل، حسيت يارا إن الحمل اللي فوق صدرها بقاله تلات سنين بدأ يخف.

لكنها كانت عارفة إن اللي حصل النهارده مجرد بداية.

لأن في ملفات لسه هتتفتح…

وفي أسرار مستخبية جوه الشركة…

وأسماء كبيرة جدًا كانت متورطة مع حسام.

وفي صباح اليوم التالي، وهي على سرير المستشفى، دخلت عليها المحامية ومعاها ملف سميك.

حطته قدامها وقالت:

“إحنا لسه في أول الطريق… وفي خبر لازم تعرفيه.”

يارا بصتلها باستغراب.

المحامية فتحت أول صفحة، وقالت بهدوء:

“في شخص من عيلة جوزك هو اللي كان بيساعدنا من غير ما حد يعرف…”

واتسعت عينا يارا وهي شافت الاسم المكتوب قدامها…

الاسم اللي عمرها ما كانت تتخيل إنه يكون سبب نجاتها.

في الجزء الثاني والأخير هتتكشف هوية الشخص اللي خان حسام، وهتظهر أسرار الشركة، وتنتهي القصة نهاية كاملة ومُرضية بدون أي أحداث معلقة.

يارا فضلت باصة للاسم المكتوب قدامها كأنها مش مستوعبة اللي شايفاه.

همست وهي مبهوتة:

“معقول… عمي فؤاد؟”

المحامية هزت رأسها.

“أيوه. عم حسام.”

يارا افتكرت الراجل الهادي اللي كان دايمًا يزورها في الشركة، وعمره ما عاملها بتكبر زي باقي العيلة.

كان الوحيد اللي كل ما يشوف كدمة في إيديها أو وشها يسألها: “إنتِ بخير يا بنتي؟”

وهي كانت كل مرة ترد بنفس الكذبة:

“آه… اتخبطت.”

تنهدت المحامية وقالت:

“هو كان شاكك من زمان إن حسام بيعذبك، لكن مكانش عنده دليل. ولما كلمتيني من شهر، ساعدنا نوصل لكل المستندات اللي تثبت حقوقك، وكمان كشف مخالفات كبيرة في الشركة.”

في اللحظة دي خبط الدكتور على الباب وطلب منهم ينهوا الكلام شوية علشان يغيروا على الحرق.

وأثناء العلاج، كانت يارا لأول مرة بتحس إن الألم الجسدي أهون بكتير من الوجع اللي عاشته طول السنين اللي فاتت.

بعد يومين خرجت من المستشفى تحت حماية قانونية، واتنقلت لشقة مؤقتة وفرتها لها إحدى الجمعيات.

أما حسام، فكان متحبس على ذمة التحقيق.

كان مقتنع إن الفلوس هتخرجه.

أول ما شاف المحامي بتاعه، قال بثقة:

“خلصني من الهبل ده.”

لكن المحامي قال بجدية:

“الموضوع مش بسيط.”

“يعني إيه؟”

“في فيديو واضح، وتقارير طبية، ورسائل قديمة، وشهود، وفي تحقيقات مالية كمان.”

حسام اتعصب.

“وأبويا؟”

“قاعد ساكت.”

“وأمي؟”

“منهارة.”

سكت لحظة، ثم سأله:

“والشركة؟”

تنهد المحامي وقال:

“الحسابات متجمدة.”

كانت دي أول مرة يحس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.

في الأسبوع اللي بعده بدأت التحقيقات المالية.

واحدة واحدة ظهرت مفاجآت ماكنش حد يتوقعها.

عقود مزورة.

ضرائب متهربة.

وأموال كانت بتتسحب بأسماء شركات وهمية.

والأخطر من كل ده…

إن أغلب النظام الإداري اللي كان بيخفي التلاعب ده، حسام ماكانش فاهمه أصلًا.

لأنه كان من تصميم يارا.

ولما خرجت من الشركة زمان بعد ما أجبرها تقعد في البيت، كانت سايبة مفاتيح إلكترونية تثبت مين اللي بيعدل في البيانات ومين اللي بيزور المستندات.

كل حاجة كانت محفوظة.

ويوم الجلسة الأولى، كانت قاعة المحكمة مليانة.

حسام دخل مكبل وهو لسه بيبص ليارا بنفس نظرة التهديد.

لكنها المرة دي ما بصتش في الأرض.

وقفت ثابتة.

القاضي طلب عرض التسجيل.

واتفتح الفيديو.

الصوت كان واضح.

والصورة أوضح.

الجميع شاف حسام وهو يضغط على إيدها فوق الشواية، وسمع أمه وهي تقول:

“كويس… يمكن تعرف مقامها.”

وشاف أبوه وهو بيتفرج في صمت.

بعد انتهاء العرض، ساد هدوء ثقيل.

حتى محامي حسام عرف إن الإنكار بقى مستحيل.

وبعد عدة جلسات، صدر الحكم.

إدانة حسام في قضية الاعتداء والعنف الأسري.

وتعويض مالي كبير ليارا.

وإلزامه بالابتعاد عنها وعدم التعرض لها بأي شكل.

أما الشركة، فتم تعيين لجنة لإدارتها مؤقتًا لحين انتهاء التحقيقات.

وفي نفس اليوم، تنازل عم فؤاد عن نصيبه في الإدارة، وقال قدام الجميع:

“الشركة دي قامت على تعب ناس كتير… ومش هسيب اسم العيلة يفضل مرتبط بالظلم.”

أما أم حسام، فبعد ما كانت مقتنعة إن ابنها عمره ما يغلط، فضلت قاعدة لوحدها في الفيلا الكبيرة.

لا أصحاب بقوا بيزوروها.

ولا حد بقى يصدق كلامها.

واكتشفت متأخر إن سكوتها كان مشاركة في الجريمة.

أما الحاج عبدالعظيم، فكان كل يوم يفتكر اللحظة اللي زود فيها صوت التلفزيون بدل ما ينقذ واحدة كانت بتستغيث.

والندم بقى صاحبه لحد آخر عمره.

بعد شهور، كانت يارا واقفة قدام مقر جديد.

شركة صغيرة باسمها.

حققت حلمها اللي اتحرمِت منه سنين.

دخلت المكتب وهي مبتسمة.

الموظفين وقفوا يرحبوا بيها.

وفي آخر اليوم، دخلت عليها بنت صغيرة متدربة وقالتلها بتوتر:

“معلش يا أستاذة يارا… أنا غلطت في التقرير.”

ابتسمت يارا وقالت:

“كلنا بنغلط… المهم نتعلم.”

البنت خرجت وهي فرحانة.

وقعدت يارا لوحدها تبص من الشباك.

افتكرت أول يوم دخلت فيه بيت حسام.

وافتكرت آخر يوم خرجت منه.

قد إيه كانت فاكرة إن النهاية مستحيلة.

لكن الحقيقة…

إن أول خطوة نحو النجاة كانت إنها بطلت تسكت.

قفلت اللابتوب، ولمست مكان الحرق في إيدها.

الأثر لسه موجود.

هيفضل يفكرها بكل اللي عاشتُه.

لكن هي بقى ما بقاش بيفكرها بالضعف…

بقى بيفكرها إنها نجت.

وإن أقوى انتصار في حياتها ماكانش إنها شافت حسام بيتحاسب…

كان إنها قدرت ترجع تشوف نفسها من جديد.

ومن يومها، قررت تحكي قصتها لكل ست فاكرة إن مفيش مخرج.

لأن الظلم مهما طال…

عمره ما كان أقوى من الحقيقة، ولا السكوت كان في يوم الحل.

تمت النهاية.

أتمنى تكون النهاية بالشكل اللي يناسب جمهورك: مقفولة، مرضية، ومن غير أي أحداث ناقصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *