رواية كاملة
كنت فاكر إني رايح بيت مراتي المرحومة اللي في الجبل عشان أودعها وأقفل صفحة الماضي.. بس الصدمة لما لقيت طفلتين توأم حفيانين على المصطبة، ماسكين لقمة عيش ناشفة كأنها قشة التعلق بالحياة.. وبعد دقائق واحدة منهم همست باسم مراتي الميتة وشاورت على ممر سري مكنش حد في الكون يعرفه غيرها!
أنا اسمي سليم، وبعد تلات سنين من وفاة مراتي نادين، كنت لسة مش عارف أعيش وسط السكوت القاتل اللي سابته وراها. البيت الريفي المعزول اللي فوق جبل في طريق سانت كاترين كان هو المكان اللي بنهرب فيه من الدنيا كلها. نادين كانت بتموت في المكان ده أكتر من أي حتة في العالم، وبعد ما ماتت، مكنتش قادر أهوب ناحيته. دكتور علم النفس كان بيقول لي دي خطوة عشان تتخطى الحزن، بس أنا كنت شايفها عذاب ملوش آخر. على ما وصلت بعربيتي الجيب على مطلع الطريق المدق يوم الجمعة بالليل، كنت واخد قراري إني مش هقعد كتير؛ ليلة واحدة بالكتير أو أقل. البيت المبني من الطوب والحجر
كان زي ما سيبته بالظبط، السقف مأثر فيه المطر، والشجر كبر حوالين الجنينة، وبتاعة الفخار اللي نادين كانت معلقاها جنب الباب لسة بتتهز مع هوا الجبل. لثانية واحدة مستحيلة، اتخيلتها خارجة وبتبتسم لي وهي لابة قميص من قمصاني الكاروهات الواسعة. بس اللي كان واقف هناك حد ثاني خالص.. طفلتين صغيرين. في الأول، من الصدمة، افتكرت نفسي اتجننت وبقيت أهلوس من كتر الحزن. كانوا واقفين من غير ولا حركة جنب سور المصطبة، بيبصوا لي بعيون واسعة زرقا وباهتة؛ ميكملوش سبع سنين. حفيانين، وهدومهم متبهدلة، وخسيتهم تخلي قلبك يتقطع. كل واحدة فيهم كانت قافشة في إيدها الصغيرة على حتة عيش ناشف ومعضوض. لا واحدة ابتسمت، ولا واحدة نطقت بكلمة. الجبل كله كتم نفسه حوالينا. نزلت من العربية براحة، ودقات قلبي بتزيد مع كل خطوة بقربها منهم. لما قربت، شكل التوأم كان يصعب على الكافر؛ شعرهم الأصفر متبهدل ومقصوص بغشامة كأن حد قصه بمقص سمك، والطين مغرق فساتينهم الدبلانة، والخدوش مالية دراعتهم وركبهم. ومفيش أي بني آدم في المكان. مفيش عربية مركونة، مفيش صوت حس، مفيش أي أثر لأب أو أم.. مفيش غير الشجر وبس. نزلت على ركبي قدام سلم المصطبة وقلت بحذر أهلاً يا حلوين.. أنا عمو سليم، أنتوا اسمكم إيه؟ البنت اللي على الشمال شاورت على نفسها وقالت ملك. وبعدين شاورت على البنت الثانية مليكة. حركتهم كانت متطابقة بالظبط بشكل غريب يقبض السير. أنا بقالي سنين بدير صفقات واستثمارات بملايين الجنيهات مع حيتان السوق اللي ميعرفوش الرحمة، بس الوقفة قدام الطفلتين المرعوبين دول خلتني أحس إني عاجز ومفيش في إيدي حاجة. سألتهم بصوت واطي أمال فين ماما؟ السؤال ده غير كل حاجة في ثانية. مليكة وطت راسها في الأرض فوراً، وملك قفشت على حتة العيش الجامد أكتر، ومحدش فيهم رد. حجر ساقع اتكون في صدري وسألتهم أنتوا جعانين يا بنات؟ ملك هزت راسها براحة. أمال مش بتاكلوا العيش ده ليه؟ التوأم بصوا لبعض بنظرة طويلة، وبعدها ملك همست بكلام وجع قلبي ووقف نفسي ماما قالت لنا شيلوه واوعوا تأكلوه. تشيلوه عشان إيه؟ سألتها مستغرب. محدش رد؛ وبدل الكلام، لفوا راسهم هما الاتنين ببطء ناحية الغابة والشجر الكثيف اللي ورا البيت.. ناحية الممر الضيق المستخبي بين الشجر. الممر ده بالذات اللي نادين مراتي كانت بتمشي فيه كل يوم قبل الغروب؛ مكنش فيه مخلوق على وجه الأرض يعرف طريق الممر ده غيرها.. مفيش حد واصل له أبداً! جسمي كله قشعر والدم اتجمد في عروقي. في اللحظة دي، مليكة بصت لي تاني، وبصوت بيرتعش همست بالكلمة اللي خلت قلبي يقف من الرعب طنط نادين قالت لنا إنك هتيجي! قلبي كان هيقف؛ لأن مستحيل، مستحيل باي شكل من الأشكال البنات دول يكونوا عرفوا اسم مراتي الميتة من تلات سنين! وفجأة، وسط الضلمة والشجر الكثيف ورا البيت، فيه حاجة اتتحركت بسرعة بين الجذوع وصوت خروشة غريب بدأ يقرب!
يا ترى إيه السر المرعب اللي مستخبي في الممر السري ورا البيت؟ وإزاي الطفلتين
لمحة نيوز
يعرفوا نادين الميتة وهي اللي مأكدا لهم إن سليم جاي؟ وإيه الكائن أو الشخص اللي بيتحرك في الضلمة وراهم وهيقلب حياة سليم ويخليه يكتشف حقيقة صدمة عمره؟ الحكاية مش مجرد طفلتين تائهين، دي ليلة هتتفتح فيها أبواب الأسرار المدفونة!
الصوت اللي طلع من وسط الشجر خلاني أرجع خطوة وأحط البنات ورا ضهري.
في اللحظة دي مكنتش رجل أعمال ولا صاحب شركات… كنت مجرد إنسان واقف قدام طفلتين خايفتين ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
مسكت الكشاف من العربية ووجهته ناحية الممر.
وفجأة ظهر شيء بيتحرك بين الشجر.
لكن مكنش شخص.
كان كلب نادين القديم.
روكي.
الكلب اللي اختفى ليلة وفاتها ومحدش عرف راح فين.
وقفت مكاني مصدوم.
مستحيل…
روكي قرب مني ببطء، كبر في السن وضعف، بس عرفني فوراً. حط راسه على رجلي وطلع صوت حزين كأنه كان مستنيني من سنين.
بصيت للبنات وسألت هو اللي جابكم هنا؟
ملك هزت راسها وقالت هو كان بيجيب لنا أكل.
الكلمة كسرتني.
كلب كان أرحم عليهم من بشر كتير.
أدخلتهم البيت، شغلت الدفاية، عملت لهم أكل، وأول مرة شفتهم ياكلوا عرفت إنهم بقالهم أيام بيحاربوا عشان يعيشوا.
لكن السؤال كان بيقتلني.
مين هما؟
وإزاي يعرفوا نادين؟
بعد ما ناموا، روكي وقف عند باب البيت وبص ناحية الممر.
كأنه بيطلب مني أتبعه.
أخدت الكشاف ومشيت وراه.
كل خطوة في الطريق ده كانت بتفتح جرح قديم.
هنا نادين كانت بتمشي.
هنا كانت بتضحك.
هنا كانت بتهرب لما الدنيا تضيق بيها.
وفي آخر الممر، وقف روكي قدام صخرة كبيرة.
افتكرت المكان فوراً.
نادين كانت دايماً تقول لي لو في يوم تهت مني يا سليم… دور على المكان اللي خبينا فيه أحلامنا.
كنت فاكرها جملة رومانسية.
لكن لما زقيت الصخرة، لقيت باب خشب صغير مستخبي وراها.
قلبي بدأ يدق بجنون.
فتحت الباب.
كانت أوضة صغيرة محفورة في الجبل.
وجواها صندوق.
صندوق نادين.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
لقيت صور.
أوراق.
وجواب مكتوب عليه
إلى سليم… لما الحقيقة توصل.
وقعت على الأرض وأنا بقرأ خط إيدها.
كانت كاتبة
سليم، لو بتقرأ الكلام ده يبقى ربنا اختار إنك تعرف اللي معرفتش أقوله وأنا عايشة.
دموعي نزلت قبل ما أكمل.
ملك ومليكة مش غرباء. دول بنات أختي اللي اختفت من سنين. كنت بدور عليهم قبل الحادث، وعرفت إن فيه ناس خدوا البنات بعد موت أختي عشان يستغلوا الورث اللي باسمهم.
اتجمدت.
نادين مكنتش بتروح الممر كل يوم عشان تتمشى.
كانت بتحقق.
كانت بتحاول تنقذهم.
كملت قراءة
لو وصلت لهم ومكنتش أنا موجودة… خلي بالك منهم يا سليم. هما ملهمش حد.
حضنت الورق وأنا مش قادر أصدق.
حتى وهي مش موجودة، كانت بتحاول تحمي غيرها.
الصبح سألت البنات عن اللي حصل.
وبالراحة بدأوا يحكوا.
بعد وفاة أمهم، الراجل اللي كان مسؤول عنهم خد فلوسهم ورماهم، ولما عرفوا من أوراق قديمة إن فيه واحدة اسمها نادين كانت بتدور عليهم، هربوا لحد ما وصلوا البيت.
كانوا فاكرين إنها لسه عايشة.
لكن روكي هو اللي لقاهم في الجبل وقعد جنبهم لحد ما أنا وصلت.
والأغرب…
إنهم وصلوا نفس الليلة اللي قررت فيها أرجع بعد تلات سنين.
كأن نادين كانت لسه بترتب كل حاجة.
بعد أسابيع، المحامي فتح القضية.
الأوراق اللي نادين جمعتها قبل موتها كشفت كل حاجة.
الراجل اللي سرق حق البنات اتحاسب.
والورث رجع لهم.
لكن أكبر قرار كان لسه قدامي.
في المحكمة، القاضي سألني
حضرتك متأكد إنك عايز تكون الوصي عليهم؟
بصيت لملك ومليكة.
كانوا ماسكين في إيدي زي أول يوم.
وافتكرت نادين.
ابتسمت وقلت
أنا اتأخرت عليهم تلات سنين… مش هسيبهم تاني.
مرت السنين.
البيت اللي فوق الجبل مبقاش مكان حزن.
بقى مليان ضحك.
رسومات البنات بقت على الحيطان.
وصوتهم بقى يجري في المكان اللي كان ساكت.
وفي يوم، ملك سألتني
هو أنت أنقذتنا يا عمو سليم؟
بصيت لصورة نادين المعلقة على الحيطة وابتسمت.
قلت
لأ يا حبيبتي… أنتم اللي أنقذتوني.
لأن الحقيقة إن نادين ماسابتليش رسالة وداع.
هي سابتلي سبب أكمل عشانه.
تمت