رجعت قبل ميعادي من السفر ولقيت مراتي بتغسل الحلل وإيديها متجرحة، وعيلتي بتهزر وبتشرب بفلوسي الي سارقينها . — "منى مش هتقعد معانا، تخليها تكمل غسيل الحلل، دي الحاجه الوحيده اللي تنفع فيها سمعت صوت أمي جاي من ممر الخدمة في الفيلا اللي أنا شاريها بفلوسي. كنت رجعت القاهره قبل ميعادي بيومين، بعد ما قفلت صفقة كبيرة في شرم الشيخ. كان في شنطتي سلسلة دهب قديمة أنا اشتريتها ورجعتها، نفس السلسلة اللي منى باعتها من 12 سنة عشان تدفع أول مرتبات في شركتي الصغيرة للموبيليا. كنت عاوز أديهالها على العشا وأقولها إنها لولا التضحية دي، ما كانش أي حاجة من اللي إحنا فيه دي اتوجدت. دخلت من الباب الجانبي عشان أعملها مفاجأة. بس أنا اللي اتفاجئت. الفيلا كانت مليانة ورد ومزيكا وحوالي 30 ضيف. في التراس، أمي "عفاف" عمالة ترفع كاسها مع رجال أعمال وقرايب وكأنها صاحبة الملك. وأخويا "كريم" بيتباهى بخط إنتاج مكاتب جديد وبيقول إنه هيمول "مجموعة العيلة". أكل بحري وشيف فرنسي أنا عمري ما طلبتهم. كل ده بيتدفع من حساباتي أنا. في آخر المطبخ الكبير، لقيت منى موطية على الحوض. شعرها مبلول، بلوزتها القديمة لازقة في ظهرها، وإيديها غرقانة في المية والصابون ومواد التنظيف. حلل ضخمة، صواني محروقة، وجبل من الأطباق. ابن خالتي "تامر" كان واقف يوشوشها وفي إيده كاس. — "أسرع شوية" —قالها—. "طنط مش عاوزة رجال الأعمال يشوفوا قذارة. كفاية الفضيحة اللي عاملاها بطريقتك ومظهرك." منى حاولت تشيل حلة كبيرة بس اتزحلقت من إيدها. الصوت خلى كل اللي في المطبخ يبصوا. — "يا لهوي على الخيبة" —تمتم تامر—. "طاهر المفروض يحمد ربنا إننا بنحافظ على منظره قدام الناس وهو مسافر بيشتغل." طلعت الموبايل وفتحت أبلكيشن نظام الأمان. من سنين كنت مركبة كاميرات بتسجيل خارجي عشان التصاميم السرية. عيلتي كانت تعرف الكاميرات الظاهرة، بس ماكنوش يعرفوا إن الصوت بيتسجل على سيرفر مخفي. على الشاشة ظهرت تسجيلات الأسابيع اللي فاتت: أمي بتؤمر منى تاكل في المخزن؛ كريم بياخد منها موبايلها؛ وتامر بيقولها إن أنا تعبت من الإنفاق على "واحدة من حارة فقيرة". وفجأة تامر شاف انعكاسي في الباب الاستيل. — "طاهر… انت رجعت بدري؟" إيده اتهزت والكاس اترج. — "الموضوع مش زي ما أنت فاهم.. منى هي اللي أصرت تساعد عشان الشغالين اعتذروا وأمك..." — "اخرس." ما علتش صوتي. ماكانش له لزمة. مشيت ناحية الحوض. منى رفعت عينها ولما شفتها نفسي اتكتم. ماكانش باين عليها الارتياح.. كانت خايفة مني! — "آسفة" —همست—. "قربت أخلص. أمك قالت إنك عاوز الفيلا فلة، وإنك لو جيت ولقيتني عاملة مشاكل هترميني برة." مسكت إيديها. كانت حمرا ومورمة ودمها قاطر عند العقل. — "أنا عمري ما قلت كده." — "وروني الرسائل بتاعتك." — "رسائل إيه؟" منى بصت لتامر. هو رجع لورا بخوف. — "الرسائل اللي بتقول إني ماردش على مكالماتك، وأوقع على أي ورق كريم يجيبهولي، وما أخرجش من البيت من غير إذن." حسيت بتلج في صدري. عيلتي مش بس كانت بتهينها.. دول استخدموا اسمي عشان يحبسوها جوة بيتنا. فتحت علبة السلسلة، بس ما قدرتش أديهالها. السلسلة كان شكلها مالوش قيمة قدام إيديها المتجرحة. حضنتها، وهي أخدت ثواني عقبال ما استوعبت وترد الحضن، وكأنها نسيت إنها معايا في أمان. — "اطلعي أوضة الضيوف فوق" —قلتلها—. "واقفي الباب بالمفتاح. هكلم دكتورة نيرمين تيجي تشوف إيديكي." — "طاهر، بلاش تعمل شوشرة قدام الناس" —تدخل تامر—. "أمك عملت العزومة دي عشان مصلحتك." بصيتله: — "وعشان مصلحتي برضه زورتوا رسائل باسمي؟" وشه اصفر. دُست على السماعة الموصولة بالأمن. — "عم رجب، اقفل كل الكروت الإضافية ووقف الصلاحيات الرقمية لباقي العيلة. ما حدش يلمس جنيه، ولا ملف، ولا عربية تبع الشركة من اللحظة دي." — "أمرك يا طاهر بيه." ساعدت منى تطلع فوق. وقبل ما تدخل الأوضة، طلعت منديل متني من جيبها. كان جواه فلاشة. — "لقيتها في مكتب كريم" —قالت—. "فيها فولدرات باسمي. افتكرتها فواتير، بس سمعت أمك بتقول إنك أول ما ترجع، كل حاجة هتتبان إنها غلطتي أنا." تحت، صوت التسقيف والضحك شغال. هم فاكرين إن أقصى حاجة ممكن تحصل إن العزومة تبوظ. مايعرفوش إنهم لسه مسلميني بإيديهم دليل المؤامرة اللي عملوها ضد مراتي. الجزء الثاني ما نزلتش سفرة الأكل علطول. وصلت الفلاشة بلاب توب مقفول عن النت، وكلمت "شهيرة" مدير الحسابات في شركتي. وكلمت المحامي، والماذون، وعم رجب بتاع الأمن. عقبال ما كانوا بيراجعوا الفولدرات، الدكتورة نيرمين أكدت إن إيديها فيها التهاب كيميائي، وجفاف شديد، ونقص وزن ملحوظ أنا ما لاحظتوش في المكالمات. ده وجعني أكتر ما كنت متخيل. بقالي 3 شهور بأقبل مكالمات قصيرة، وغالباً وأنا في العربية. منى كانت بتبتسم وتقول إنها تعبانة وتغير الموضوع. أنا استسهلت وسكوتي اعتبرته راحة، عشان كان يريحني أصدق ده. الفلاشة كان فيها فواتير، وعقود، وإيميلات متزورة. كانوا عاملين شركة توريدات باسم "منى" باستخدام صورة بطاقتها، ورقمها الضريبي، وتوقيع إلكتروني جابوه من ورق قديم. من حسابات شركتي حولوا 6.4 مليون جنيه للحساب ده. وبعدها، الفلوس كانت تتقسم بين كريم، وتامر، وشركة تبع أمي. الخطة كانت بسيطة ووحشة: أول ما أرجع، يوروني حركات الفلوس وكأن مراتي هي اللي عملتها. يقولولي إنها استغلت سفري وسرقتني. ومع الفضيحة، يضغطوا عليا أطلقها وأسيب كريم يدير المجموعة. — "في حاجة كمان" —قالت شهيرة في التليفون—. "حاولوا يعملوا توكيل عام رسمي بصورة توقيعك. والشهر العقاري أكد إن التوكيل ده ما طلعتش منه أي ورقة رسمية." بصيت لمنى. كانت قاعدة على السرير، وإيديها ملفوفة بشاش. — "ليه ما قلتليش أي حاجة؟" وطت عينها: — "حاولت. كل ما أكلمك، أمك تدخل الأوضة أو كريم يفصل النت. وبعدين بدأت تجيلك رسائل من رقمي بتقول إني محتاجة مساحة واستقلال. ولما كنت بكلمك، كانوا يوروني ردود منك بتقول إنك مش طايق جنوني وغيرتي." عم رجب راجع الموبايل اللي تامر سابه في المطبخ ولقى أبلكيشن بيسحب نسخ من واتساب. كان يكفيهم يمسحوا التنبيهات، ويبعتوا كلام، ويورونا سكرين شوتس ملعوب فيها. على الساعة تسعة وتلت نزلت. السفرة كانت لسه مليانة. أمي "عفاف" قاعدة على رأس الترابيزة بفستان كحلي وشكلها عامل زي الملكة المظلومة. كريم بيتكلم مع اتنين مستثمرين. وتامر كان مَفهمهم إني راجع مشدود ومتوتر من السفر. — "أخيراً" —قالت عفاف—. "اقعد وبلاش تفضحنا قدام الناس." وقفت مكان ما أنا. — "فين مكان منى؟" — "هي فضلت تاكل لوحدها" —ردت—. "في ناس ما بتعرفش تقعد على سفرة فيها ناس مهمة." — "أنا لقيتها بتغسل الحلل وإيديها بتتصفى دم." وشوشة جرت على الترابيزة. كريم حاول يبتسم: — "طاهر، الموضوع مش مستاهل كل ده. منى كانت بتساعد عشان الشغالين مشيوا. وماما كانت عاوزة تستقبل الشركاء وأنت برة." حطيت صور الفواتير والتحويلات والتوكيل المزور على المفارش: — "وهو الشغالين لما مشيوا، عملتوا الورق ده برضه؟" ابتسامة كريم اختفت. وأمي حتى ما كفتش نفسها تبص على الورق. — "كل ده اتعمل عشان نحمي ملكك! الست دي عمرها ما كانت من مستواك. من يوم ما اتجوزتها وهي عايشة على قفاك." — "منى باعت السلسلة الدهب الوحيدة اللي حيلتها عشان أدفع أول مرتبات للعمال في شركتي. أنتِ ظهرتِ لما بقى في مكاتب، وعربيات، وحسابات تتسرق!" تامر قام واقف: — "أنا مش مضطر أسمع الكلام ده." وعلى الباب، عم رجب طلب منه يسيب الموبايل وكارت الشركة. ما حبسوش؛ بس بلغه إن دخوله للأماكن الخاصة اتلغى، ويقدر يمشي بعد ما يثبت شخصيته للمحامي اللي بيسجل التسليم. ده كان كفاية عشان الكل يفهم إن العزومة خلصت. طلبت من الضيوف الغرب يمشوا. في ناس تفادت تبصلي، وناس سابت كروتها وكأن ده بيمسح إنهم كانوا بياكلوا ويشربوا من فلوس مسروقة. كريم قفل باب السفرة: — "تعالى نحلها ودي بينا وبين بعض." — "دي مش مشكلة عيلية. دي ق\ضية تزوير ونصب." المحامي ظهر على شاشة التلفزيون في الصالة. وضح إننا الليلة دي هنرفع بلاغ إلكتروني مبدئي، وپكره الصبح هنروح نثبت الواقعة في النيابة العامة. وهنطلب التحفظ على الحسابات والأجهزة. أمي وقفت: — "أنت ما تقدرش تبلغ عن الست اللي ربتك وكبرتك!" — "أنتِ قدرتِ تذوري وتلفقي تهمة للست اللي وقفت معايا وبنت معايا كل ده." ولأول مرة تفقد أعصابها وتزعق: — "عشان كنت هتكتبلها كل حاجة! كريم من دمك وثمرتك.. إحنا اللي نستاهل الخير ده كله، مش واحدة غريبة مالهاش أصل!" ساعتها بس فهمت إن الموضوع ما كانش عصبية ولا عزومة زيادة. دول بقالهم شهور ب يخططوا يجرّدوني من كل حاجة. منى ظهرت عند الباب. — "في ورقة ناقصة" —قالت. كانت ماسكة ورقة الفلاشة ما كانتش فيها. كانت طلب تحويل لمستشفى نفسية خاصة، متوقعة من دكتور أنا أعرفه، وكاتب فيها إن منى "غير متزنة، وعدوانية، ومحتاجة علاج قسري". — "كانوا عاوزين يحبسوني 3 أيام" —كملت منى—. "وفي الأيام دي، كريم كان هيسحب باقي الفلوس ويقنعك إني هربت." أمي بصت للورقة وسكتت خالص. في اللحظة دي تليفون شهيرة رن. ردت، سمعت ثواني، ووشها جاب ألوان. — "طاهر" —قالت—. "في محاولة حالياً لتحويل 9 مليون جنيه جديدة من الحساب اللي ما يفتحش غير بيك أنت بس!" كلنا بصينا لكريم.. وشفت في إيده الموبايل التاني اللي كان فاكر إنه هيخلص بيه الخطة! الثالث و الاخير سحبت الموبايل من إيد كريم بمنتهى الهدوء. كان ماسكه وإيديه بترتعش، وعلى الشاشة كانت صفحة البنك مفتوحة وفي انتظار الكود التأكيدي اللي بيتبعت على جهازي أنا الشخصي. — "كنت فاكر إنك أذكى من كده يا كريم" —قلتله وأنا بصلة في عينه—. "حتى في السرقة خايب ومستعجل." كريم حاول يتكلم، بس لسانه اتعقد. بص لأمي زي العيل الصغير اللي مستنيها تدافع عنه، بس عفاف كانت واقفة متسمرة، عينها على الورقة بتاعة المستشفى النفسي اللي في إيد منى. — "عم رجب" —نديت في السماعة اللي في ودني—. "الشرطة برة؟" — "أيوة يا طاهر بيه، بوكس المباحث وصل على البوابة برة ومعاهم الضابط النبطشي بناءً على البلاغ المقدم إلكترونياً." أمي صرخت أول ما سمعت كلمة "شرطة": — "أنت اتجننت يا طاهر؟! عاوز تسحل أخوك وأمك في الأقسام عشان واحدة زي دي؟! الناس تقول علينا إيه؟ العيلة اللي عملت اسمها من اللاشيء تتفضح على آخر الزمن؟!" بصيتلها بقرف ومرارة عمرها ما دخلت قلبي قبل كده: — "الناس مش هتقول غير إنكم حرامية. وأنك بدال ما تصوني البيت اللي إبنك بانيه، جيتي تكسريه وتسرقيه. أنتِ مش خايفة على سمعة العيلة يا أمي.. أنتِ خايفة على شكل هجومك لما ينكشف." دخل الضابط ومعه اثنين أمناء شرطة. المكان اتحول في ثواني لساحة تحقيق. المحامي بتاعي كان حاضر على شاشة التلفزيون وشغّل السبيكر، وبدأ يملي الضابط أرقام المحاضر والبلاغات الرسمية بتهم التزوير في أوراق رسمية، واستعمال توقيعات ملغاة، والنصب، والتعدي والاحتجاز القسري لمنى. — "تفضل معانا يا أستاذ كريم" —قال الضابط بجمود وهو بيقرب منه. كريم بدأ يصرخ ويبكي: — "أنا ماليش دعوة! هي اللي قالتلي! أمي هي اللي قالتلي الممتلكات دي حقنا وأنه هيكتب كل حاجة باسمها! هي اللي جابت توقيعها وهي اللي اتفقت مع الدكتور بتاع المستشفى!" — "يا واطي!" —عفاف صرخت فيه وراحت ضرباه بالقلم على وشه قدام الكل—. "يا خسارة تربيتي فيك، بتبيع أمك عشان تنجد نفسك؟!" منى كانت واقفة ورايا، ماسكة في دراعي بكل قوتها، إيديها المربوطة بالشاش بتترعش. لفيت ليها وحضنتها، وخليت ظهرها للزحمة دي كلها. مش عاوزها تشوف البشاعة دي أكتر من كده. — "خد الأستاذ كريم والأستاذ تامر يا فندم" —قلت للضابط—. "وبالنسبة لوالدتي، المحامي هيقدم أقوالها في النيابة الصبح، أنا مش هسجن أمي بكرة.. بس مش هسيبها تلمس جنيه واحد من اللي اتسرق." تامر كان بيعيط وبيتوسل لنادين أخته عشان تتكلم، بس نادين كانت واقفة في الزاوية بتترعش وساكتة خالص بعد ما عرفت إن اللعبة انتهت. بعد ما الشرطة أخدت كريم وتامر والبيت فضي تماماً، ما فضلتش غير أمي. كانت واقفة في وسط الصالة المهرجلة، الورد اللي كانت جايباه مرمي على الأرض، والكاسات الفاضية متطوحة. بصتلي بكبرياء مكسور: — "فاكر إنك كسبت؟ أنت خصرت عيلتك يا طاهر. هتعيش طول عمرك لوحدك مع دي." رديت عليها بحسم وصرامة: — "أنا ما خسرتش عيلتي.. أنا قطعت أورام كانت بتاكل في جسمي. والبيت ده، والفلوس دي، والشركة دي.. كلها اتعملت بعرق الست اللي أنتِ كنتِ بتخليها تغسل الحلل وتنام في المخزن. الفيلا دي هتتباع بكرة، وكل حساباتك الشخصية اللي جاية من أرباح شركتي هتتحفظ عليها بالقانون. قدامك ساعتين تلمي هدومك وتطلعي على الشقة القديمة بتاعة أبويا الله يرحمه في شبرا. دي الحاجة الوحيدة اللي من حقك." ما ردتش. كبرياؤها المزيف انكسر، وفتحت شنطتها وأخدت مفاتيحها ومشيت وهي بتسحب رجليها. طلعت أنا ومنا الأوضة فوق. قعدتها على السرير وجبت العلبة الصغير اللي كانت معايا من شرم الشيخ. فتحت العلبة وطلعت السلسلة الدهب. مسكت إيدها المربوطة بشاش بالراحة، وبستها. — "حقك عليا يا منى.. أنا آسف إني سبتك في وسط الكلاب دول." دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. — "أنا ماكنتش خايفة منهم.. أنا كنت خايفة تكون أنت صدقتهم." لبستها السلسلة في رقبتها. السلسلة اللي كانت رمز البداية، ورجعت تاني عشان تكون رمز النهاية للظلم. — "أنا ما بصدقش غير عينيكي" —قلتلها وأنا بقفل الباب بالمفتاح وبطفي النور الخارجي—. "ومن بكرة، هنبدأ من جديد.. بس المرة دي من غير أي حد يشاركنا في تعبنا ولا في رزقنا." وتحت في الصالة، كان الهدوء هو الشيء الوحيد اللي فاضل في الفيلا، بعد ما كابوس العيلة المزيفة انتهى للابد.