اشتريت نفسي نورهان العشري

اشتريت نفسي الجزء الثاني بقلم نورهان العشري الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “عايز يطلق!” أمي صرخت وضربت على صدرها: “يطلق؟! بعد ما أهانها وضربها بدل ما ييجي يصلح غلطته عايز يطلق؟! هو فاكر بنات الناس لعبة في إيده وإيد أمه؟!” في اللحظة دي، بالرغم من الصدمة اللي شلت حركتي وبالرغم من الوجع اللي حسيت بيه و إن روحي بتتسحب مني إلا إن في حاجة جوايا اتدب فيها الروح.. الوجع اتحول لكتلة نار، والدموع اللي كانت مغرقة عيني نشفت فجأة. بصيت لعمي علي ولقيت نفسي بقوم أقف بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وبصوت قوي، خالي من أي رجفة، قولتله:
“كويس أنه قالك كدا. قوله كتر خيرك.. و قوله بتقولك وفرت عليها القضايا. يجهز نفسه عشان نروح للمأذون نطلق رسمي طلاق مفيش منه راجعه.حكايات نورهان العشري الشارع كان زحمة، بس مكنتش مركزة غير مع صوت دقات قلبي اللي كانت بتضرب في صدري زي الطبلة. كنت ماشية جنب بابا خطوة بخطوة، نفس الخطوات اللي مشيناها من 8 سنين وأنا طايرة من الفرحة ومكسوفة وعيني مش نازلة من عليه.. بس المرة دي كنت بصه قدامي. راسي مرفوعة، ضهري مفرود، ولابسة نضارتي الشمس عشان أداري أي أثر للوجع.
جواد كان ماشي قدامنا ببدلته الميري، هيبته اللي كانت بتخليني زمان اترعش من كتر الاعجاب مأثرتش فيا النهاردة. كنت حاسة بنار بتاكل فيا نار الكسرة، ونار الـ 8 سنين اللي ضاعوا هدر، بس حلفت ميت يمين ولا دمعة تنزل.. ولا دمعة تخليه يحس إنه لسه كاسرني. دخلنا مكتب المأذون. الأوضة كانت ضيقة، ريحة الورق القديم والخشب مالت المكان. قعدت على الكرسي بكل برود، وحطيت رجل على رجل. جواد قعد قصادي، وعينيه كانت بتتحرك عليا بـ دهشة مكنش قادر يخبيها. هو كان متوقع إيه؟ متوقع إني هنهار؟ هعيط؟ هترجاه عند رجله عشان خاطر العيال وعشان خاطر حلم طفولتي؟
المأذون بدأ يجهز الورق، وطلب بطاقتي. مدت مأيدي بكل ثبات وادتهاله. لما جه وقت الإمضاء، مسكت القلم بـ إيد ثابتة، إيد مهتزتش لثانية واحدة، ومضيت بسرعة وكأني بمضي على عقد بيع شقة مش عمري! بعد ما مضيت، نزلت القلم بهدوء، وسندت ضهري لورا، وبصيت في عينيه.. بصيتله بـ جمود و هدوء قاتل، عين في عين، ومستنياه ينطق. مستنياه يرمي اليمين اللي كان فاكر إنه سيف على رقبتي. جواد كان وشه بيجيب ألوان، الغضب والدهشة والاستنكار كانوا باينين في حواجبة المعقودة ونفسه العالي. نظراتي الباردة كانت بتدبح كبريائه كـ ظابط راجل متعود الكلمة كلمته. حكايات نورهان العشري
في اللحظة دي، عمي علي اللي كان قاعد جمبنا وبيهز في رجله بتوتر، مقدرش يستحمل الصمت المشحون دا، فك ياقة قميصه واتدخل بصوت مخنوق: “يا ولاد.. استهدوا بالله، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فكروا كويس، في بينكم عشرة وأولاد، والبيوت مبيتهدش بالسهولة دي.” قبل ما جواد حتى يفتح بوقه أو يفكر، رديت بلهفة وجمود، كلام طلع زي الرصاص قاطع لكل حبل رجوع: “النصيب اتقطع لحد كدا يا عمي.. خلينا ننفصل وكل واحد يعيش حياته صح، ويعرف يلحق اللي فاته!”
حسيت أن كلمة “يلحق اللي فاته” نزلت على جواد زي الكرباج. الكلمة استفزته لدرجة إنه اتنفض في مكانه، وعينيه بقت تطلع شرار. هو فهم كويس أنا قاصدة إيه.. قاصدة إني كنت عايشة في سجن، وإني ندمانة على كل ثانية ضيعتها معاه، وإني هبدأ أعيش بجد بعد ما اخلص منه. حكايات نورهان العشري جواد حس إن كرامته اتهانت في مق.تل، مكنش قادر يستوعب إن “ولاء” الجارية اللي كانت بتدور في فلكه، هي اللي مستعجلة على الخلاص. حبس غضبه المكتوم، ومكنش قادر يقلل من نفسه أو يبان ضعيف أو مكسور قدام عمي والمأذون.
بصلي بنظرة كلها غل وقسوة، وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت، وبصوت جهوري طالع من قاع قهر كبريائه قال: “أنتِ اللي اخترتِ يا ولاء.. وأنتِ طالق.” الكلمة طلعت منه.. رنت في ودني، هزت الجدران، بس مهزتش فيها شعرة. فضلت باصة في عينيه بنفس الابتسامة الباردة الساخرة، وقمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيتله النظرة الأخيرة وقُلت في سري: “عهد عليا يا جواد.. هخليك تندم ندم عمرك. حكايات نورهان العشري
عدا شهر.. شهر كامل وأنا حابسة نفسي في الأوضة. الحيطان كانت بتضيق عليا، والليل كان بيمر عليا زي الموت البطيء. الشهر دا كنت بنام والدموع على خدي، وأصحى ألاقيها غرقت مخدتي من تاني. الوجع مكنش بيهدا، كان زي جمرة نار قايدة في نص صدري، كل ما أقول انطفت، تفتكر عيني لقطة القلم، أو رنة كلمته “أنتِ طالق”، فـ تولع من جديد. كنت ببص لنفسي في المراية وأحس بالشفقة والخزي، 15 سنة حب و8 سنين جواز خلصوا في قعدة مأذون مكملتش ربع ساعة!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *