اشتريت نفسي نورهان العشري٦
فجأة.. الموبايل بتاعي رن. بصيت على الشاشة.. لقيت رقمه. ترددت ثواني، قلبي دق بسرعة، ولقيت نفسي بفتح الخط من غير ما أتكلم. سمعت صوت أنفاسه السخنة الصمت فضّل بيننا ثواني، لحد ما صوته طلع مبحوح، تعبان، مليان بالوجع والشجن والعذاب، وقالي بهمس قطع قلبي: “ولاء.. أنتِ صاحية؟” رديت بنبرة جافة حاولت أطلعها قوية: “عايز إيه يا جواد؟ بتكلمني في وقت زي دا ليه؟” جواد اتنهد تنهيدة طويلة، تنهيدة طالعة من جوا روحه المكسورة، وبصوت فيه بحة ندم قال:
“مش قادر يا ولاء.. قسماً بالله العظيم مش قادر.. أنا بمو.ت في كل ثانية الشقة ضلمة من غيرك ريحتك في كل حتة.. أنا كنت أعمى، كنت مجنون يا ولاء يوم ما ضيعتك من إيدي.. أنا بحبك.. أنا عمري ما أحببت ولا هحب حد غيرك.. أنا عرفت قيمتك متأخر بس وحياة الولاد عندك ما تسبيني ضايع كدا.. ارجعيلي يا ولاء.. ارجعيلي وأنا هبوس راسك قدام الدنيا كلها” حكايات نورهان العشري
الكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين. الشوق اللي بيننا كان مالي قلوبنا كنت حاسة بنبرة ولهفته وشوقه و قد أيه هيتجنن ويوصلي، دموعي نزلت غصب عني وسالت على خدي بحرقة وقهر.. الكلمة اللي كنت بستناها منه 8 سنين بيقولها النهاردة وأنا بعيدة! قهرني وقهر نفسه. مسحت دمعتي بسرعة، وعضيت على شفايفي عشان صوتي ميرتعش، وقُلتله بنبرة ماليانة عناد وجفاء وصوت قاطع:
مبقاش ينفع يا جواد.. الكلمة دي جاية متأخرة أوي.. جاية بعد ما الجرح نزف كتير وبعد ما الروح شاخت من القهر.. أنا كمان كنت بمو.ت في بعدك زمان وأنت مكنتش هنا أصلاً.. دلوقتي خلاص، مبقاش ينفع نرجع، وكل واحد يعيش حياته.. اقفل يا جواد ومتصلش هنا تاني”. حكايات نورهان العشري قفلت السكة في وشه.. ورميت الموبايل على السرير، وانهرت في العياط وأنا كاتمة صرختي في المخدة.. الشوق كان بيدبحنا إحنا الاتنين، بس العناد والكرامة كانوا أقوى من أي حب.
مرت الأيام، وكنت فاكرة إني خلاص بنيت السد اللي مفيش وراه رجوع. بس جواد ميبقاش جواد الراوي لو استسلم، وأنا مكنتش أعرف إن الراجل لما بيعشق بجد بعد فوات الأوان، بيتحول لـ طفل مستعد يهد الدنيا عشان يرجع ح.ضن أمه. في يوم، كنت خارجة من مكتب المستشار فريد المنشاوي بعد يوم شغل طويل. كنت نازلة السلم وأنا بفكر في القضايا اللي ورايا. أول ما رجلي خطت بره باب العمارة وبقيت في الشارع، اتفاجئت بمنظر خلاني اتسمر في مكاني..حكايات نورهان العشري
أهلي كلهم كانوا واقفين! بابا، ماما، أختي منى وجوزها، وحتى عمي علي وعمي التاني.. العيلة كلها كانت واقفة على الرصيف وباصينلي بابتسامة غريبة، ميكس بين الفرحة والترقب. قلبي اتنفض في صدري واتخضيت خضة عمري، جريت عليهم وأنا بنهج وقُلت بصوت مرعوب: “في إيه؟ جرى إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كدا ليه؟ الولاد فيهم حاجة؟ بابا أنت كويس؟” بابا مسك إيدي وطبطب عليا وهو بيضحك وعينيه مدمعة من الفرحة، وقال بصوت حنين:
“مفيش حاجة يا قلب أبوكِ.. بس ارفعي عينك للسما كدا وشوفي.” رفعت راسي ببطء.. ولقيت المنظر اللي صدمني ووقف النبض في قلبي. في لحظة واحدة، طارت في السما مئات البلالين الحمراء والبيضاء، وفوقهم بلونة هليوم ضخمة جداً، متعلق فيها لافتة قماش عريضة ومكتوب عليها بخط ذهبي كبير وواضح للدنيا كلها: ” بحبك يا ولاء.. سامحيني يا ملكة قلبي” دموعي نزلت في ثانية، وخبيتها ورا نضارتي وقلبي بدأ يض.رب في صدري زي الطبول. وفجأة، حسيت بـ حركة ورايا، وخطوات واثقة بتقرب. لفيت ببطء.. وكان هو.
جواد.. بـ هيبته، ووسامته، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الميري، كان لابس بدلة كاجوال شيك، وعينيه مكنش فيها لا غضب ولا غيرة عمياء.. كان فيها كمية شوق وولهفة وانكسار حبيب مستعد يبيع الدنيا عشان نظرة رضا. كان شايل في إيده بوكية ورد روز أحمر كبير، قرب مني لحد ما بقى واقف قصادي قدام أهلي، وقدام الناس في الشارع اللي بدأت تقف وتتفرج وتسقف. جواد بص في عيني بنظرة دّوبت كل جبال الثلج والعناد اللي بنيتها جوايا. نزل على ركبته نص نزلة، ومد إيده بالورد وقال بصوت جهوري ومبحوح في نفس الوقت، صوته هز الشارع كله:
“بقولهالك قدام أهلِك، وقدام الناس كلها، وقدام ربنا قبل أي حد.. أنا بحبك يا ولاء! بحبك ومقدرش أعيش ثانية واحدة من غيرك. أنا كنت غبي ومجنون وأعمى بس وحياة دموعك الغالية دي، وحياة الـ 8 سنين اللي عيشتيهم بتستحمليني، ماليش حياة بره ح.ضنك.. سامحيني يا بنت عمي، سامحيني يا حب عمري. .
في اللحظة دي.. ولاء القوية واللي قررت تقف في وش قلبها قبل أي حاجة. بقت أضعف من أضعف حاجة في الدنيا . الـ 23 سنة حب اللي اتولدوا معايا من طفولتي طلعوا هما اللي كسبانين. أنا ضعفت.. ضعفت بالمعنى الحرفي للكلمة قدام لهفته ودموعه اللي لمحتها في عينيه لأول مرة في حياتي. النظرة المكسورة والاعتراف اللي تمنيته عمره كله كان بين إيديا.حكايات نورهان العشري مسحت دموعي ونزلت نضارتي، وبصيتله وعيني بتضحك وتبكي في نفس الوقت. بابا قرب منا وحط إيده على كتف جواد وقاله:
“قوم يا ابني.. صون بنتي وشيلها في عينك، دي جوهرة عايزة اللي يحافظ عليها.” جواد قام وقف، وعينيه بتلمع بـ فرحة طفل كأنه ملك الدنيا. قرب مني، ومسك إيدي قصادهم كلهم وقال بنبرة ماليانة عهد ووعد: “والله العظيم هعمل المستحيل عشان أسعدك وأعوضك عن كل ثانية وجع عيشتيها بسببي.. أنتِ من النهاردة فوق راسي و عمري ما هزعلك تاني متكلمناش كتير.. الحزن والوجع اتمحوا في ثانية، وحل محلهم لهفة الرجوع. ركبنا العربيات وكلنا على المأذون.. نفس المكتب اللي شهد كسرتي من كام شهر النهاردة كان بيشهد على ولادتي من جديد.
قعدنا قصاد المأذون، وجواد إيده مكنتش سايبة إيدي ولا ثانية، كأنه خايف أهرب منه أو أختفي. ولما المأذون قال كلمته الشهيرة وجواد رد ورايا ورجعني لعصمته وعلى ذمته.. المأذون لسه بيقفل الدفتر، لقيت جواد قام واتنفض من مكانه، وبدون أي مقدمات وقدام أهلي كلهم، شدني لح.ضنه بعنف وشوق كبير! حكايات نورهان العشري ح.ضنّي لدرجة إني حسيت بضلوعه بتضغط على ضلوعي، كأنه بيدخلني جوه صدره عشان يقفل عليا للآبد. دفن راسه في رقبتي وبقى يتنفس ريحتي بـ لهفة وعياط مكتوم، وهو بيهمس في ودني بصوت كله عشق وولع:
“الحمد لله يا رب.. رجعتيلي يا ولاء.. رجعتيلي يا قلب جواد.. والله ما هفرط فيكِ تاني طول عمري.. بحبك، بعشقك يا قمر حياتي كلها.” أنا كمان حوطت رقبتي بـ إيديا، وغمضت عيني وأنا حاسة بـ أمان الدنيا كله بيرجعلي.. الحرب خلصت، والعناد اتهزم، والحب انتصر.. والضحكة والكسرة اللي في الآخر بقت فرحة ماليانه البيوت إحنا الاتنين. تمت اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري