حكايات اماني السيد ١

عندها فقط، انكشف الخيط كله؛ ترحيب أهلها المريب، استعجالهم في إتمام العقد وموافقتهم على كل شروطي، وصديقي الذي أقنعني ودبّر الأمر لي كي أتحمل المسؤولية، ويخلص هو وأهل زوجته من عبء رعايتها.

بينما كنت غارقًا في تلك الأفكار، قطع صوت زوجتي الأولى حبل تفكيري:

“حمدًا لله على سلامتك.. اتأخرت ليه كده النهاردة؟”

رفعت عيني، فوجدتها واقفة أمامي، تمسح يديها بفوطة المطبخ، في عينيها طيبة وحب، لا تشك في شيء من الخراب الذي أحملته معي. اقتربت مني، وعندما رأت وجهي المذهول وعرقي المتصبب، اختفت ابتسامتها وتحولت إلى قلق حقيقي، وسألتني بخوف: “مالك يا راجل؟ وشك مصفر كده وواقف مش قادر تتحرك؟ حصل حاجة في الشغل ولا جرالك حادثة؟”

تجمد لساني، والكلمات توقفت في حلقي كالشوك. ماذا سأقول لها؟ أقول إني خنت ثقتها وبعت استقرار بيتنا بسبب كلام صديق وزينة الدنيا؟ أم أقول إني تزوجت من أخرى دون علمها، وطلعت تعاني من مرض نفسي حاد، وقد أكون مضطرًا الآن إما أن أبحث عن علاج مكلف لأهدئ حالتها، أو أواجه فضيحة دخولها مصحة باسمي؟

نظرت في عينيها وأنا أشعر بأن الأرض تميد بي، وأدركت أن الكلمة التي ستخرج من فمي الآن لن تكسر قلبها فقط، بل ستهز بيتي كله على رأسي ورأس أطفالي.

وقفت أمامها صامتًا لدقائق، وقلبي يدق بسرعة لم أعرفها من قبل. كل ثانية صمت كانت كأنها سنة كاملة. نظرت إليها بعينين مرهقتين، ورأيت فيها مزيجًا من الخوف والحيرة، ثم همست بصوت متعب: “تعالي اجلسي.. عندي كلام كبير أوجّع قلبي وأنا أقوله.”

جلست أمامي، ويديها ترتجفان قليلًا، وكأنها تستشعر أن هناك مكروهًا قادمًا. أمسكت يديها بين كفيّ، وشعرت ببرودتها، وأخذت نفسًا عميقًا ثم قلت: “أنا غلطت، غلط كبير، وكنت ضعيف قدام كلام الناس ووساوس النفس. سمعت كلام ناس مش بتراعي مصلحتي، ودخلت في حاجة أنا مش قدها، وجوزت على نفسي من غير ما تقولي، وطلعت المصيبة أكبر مني بكتير.”

كانت عيناها تتسعان مع كل كلمة، ووجهها يتغير من الحيرة إلى الصدمة، ثم إلى الألم العميق. حاولت أن أمسكها، لكنها سحبت يديها ببطء وقالت بصوت مبحوح: “إنت بتقول إيه؟ إنت جوزت علىّ من غير ما تقول لي؟”

حاولت أن أشرح، قلت لها عن ندمي، وعن أن الزوجة الجديدة تعاني من مرض نفسي خطير، وأني اكتشفت الحقيقة متأخرًا، وأني متردد ولا أعرف ماذا أفعل، وخايف عليها من الصدمة، وخايف على ولادي من التفكك، وخايف على نفسي من الفضيحة ومن تبعات القرارات العاجلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *