حكايات اماني السيد ١

صمتت لدقائق طويلة، والدموع تتساقط على خديها بصمت، ثم تحدثت بصوت مكسور، لكنه كان هادئًا وواضحًا: “أنا مش مصدقة إنك تعمل فيّ كده. كل سنين عمري معاك، كل تعب البيت والأولاد، كل ليالي السهر على مرضهم ودروسهم، كل حاجة فجأة بقت ولا حاجة؟ ما تستاهلش منك إنك تقول لي قبل ما ترتبط بغيري؟ ما تستاهلش إنك تشاركني القرار؟”

لم أستطع الرد، لأن كل كلمة كانت سهمًا مصيبًا. وقفت من مكانها وهي ترتعش، ونظرت إليّ وقالت: “محنتك لوحدك يا راجل. أنا مش هقدر أساعدك دلوقتي. أنا محتاجة وقت أفكر، لكن اعرف إن البيت ده مش هيرجع زي ما كان مهما حصل. أنت كسرت حاجة صعب تترقع.”

خرجت من الغرفة وتركتني وحدي مع صوت التلفاز المنخفض وضحكات الأطفال البعيدة. جلست على الأرض، وضغطت على رأسي بكفيّ، وأنا أتخيل كل المشاهد القادمة؛ لقاءات العائلة، أسئلة الأولاد، نظرات الجيران، وإجراءات العلاج، وتبعات الطلاق المحتمل، وكلها كانت صورًا ثقيلة تحطم روحي.

في تلك اللحظة، أدركت أن الثقة لا تُباع ولا تُشترى، وأن الزواج ليس لعبة أو صفقة، وأن الرجولة الحقيقية ليست في جمع الزوجات أو إثبات القوة، بل في الصدق والأمانة والوفاء لمن شاركوك حياتهم. ندمت، ندمًا شديدًا، لكن الندم لم يعد يكفي.

خرجت من الشقة بعد أن تركت رسالة لزوجتي بأنني سأنام عند صديق مؤقتًا، وأنني سأعود غدًا لتحمل المسؤولية، مهما كانت النتائج. مشيت في الشوارع وأنا أفكر في أولادي، وفي مستقبلهم، وفي الشفاء النفسي للزوجة الجديدة، وفي كيفية تصحيح الأخطاء، وفي أن الحياة ليست دائمًا كما نرسمها، لكنها دائمًا تمنحنا فرصة لإصلاح ما أفسدناه، متى امتلكنا الشجاعة للاعتراف.

لا أعرف ماذا سيحدث غدًا، لكنني عرفت أن أول خطوة هي قول الحقيقة، والثانية هي تحمل العواقب، والثالثة هي محاولة التعويض بقدر المستطاع. أما الباقي، فهو بيد الله وحده.

فضلت متسمرًا في مكاني، ريقي ناشف وعيني مثبتة على ملامحها القلقة، حتى خطت خطوتين نحوي ومدت يدها تضعها على كتفي وهي تكرر: “فيه إيه يا راجل؟ انطق وقّعت قلبي!”

أول ما لمستني، شعرت بوخز في صدري، وكأن لمسها الطيبة تذكرني بخطئي. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مهزوزًا ومبحوحًا لدرجة أنني لم أعرفه:
“أنا أخطأت يا أم العيال.. أخطأت خطأ لا رجعة فيه.. أنا.. أنا تزوجت عليكِ.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *