أمانى السيد بصلي جوزي وهو بيبعد عينيه عني، يفرك في إيديه بتوتر مش طبيعي، وكأنه خايف كلامه يطلّع سر كان حابسه جواه!قربت منه خطوة، ومسكت دراعه وقلت له بصوت واطي بس فيه تهديد وحسم: * "محمد.. إنت بتخبّي عليا إيه؟ في إيه بيحصل من ورايا وأنا زي الأطرش في الزفة؟"بلع ريقه وصدمته كانت باينة لما لقى إني مش ناوية أستسلم المرة دي. سكت شوية، وبعدين قال بنبرة واطية خالص عشان أمه ما تسمعش من تحت: * "جهاد.. بصي.. الموضوع مش مجرد نفاس وولادة بس.."قلبي وقع في رجلي.. قلت له: * "يعني إيه؟ اتكلم بصراحة!"تنهد وقال: * "أخويا.. أخويا صفى شغله في المحافظة التانية.. والشقة اللي كان قاعد فيها هناك إيجار وسابها خلاص! هو معندوش فلوس يدفع إيجار تاني دلوقتي، وعايز يبدأ مشروع هنا في القاهرة، والموضوع ممكن ياخد من ست شهور لسنة على ما يقف على رجله! "أول ما سمعت الكلمة حسيت إن رأسي بتلف.. ست شهور لسنة؟!قلت له وأنا بصوت مخنوق ومصدوم: * "ست شهور لسنة؟! وإنت كنت عارف؟ وجايين تمثلوا عليا مسرحية النفاس والتغذية عشان تفرضوا عليا أمر واقع؟!"قال وهو بيحاول يهديني: * "يا جهاد والله ما كنت موافق.. بس أمي حطتني في وش المدفع! قالتلي أخوك هيترمى في الشارع هو ومراته اللي بتولد؟ هيروحوا فين؟ وأنا قلتلها شقتك زحمة ومينفعش، وهي اللي اقترحت إنك تنزلي تقعدي معاها فوق دماغها لحد ما هو يظبط ظروفه.. وتدريجيًا تبقوا تتعودوا على الوضع!"ساعتها الصورة كملت في دماغي زي المكعبات..عشان كده حماتي كانت بتتكلم بثقة! عشان كده أم محمود نازلة بشنط وأوامر وقائمة طلبات وكأنها صاحب البيت اللي بيستلم شقته الجديدة! وعشان كده أختها وأمها رفضوا يستقبلوها، لأنهم عارفين إن الموضوع مش نفاس أسبوعين، ده استيطان!وقف جوزي يبرر: * "معلش يا جهاد.. استحملي عشان خاطري، ده أخويا وبرضه مش هقدر أرميه في الشارع.."بصيت له بمنتهى الجدية وقلت له: * "وأنا وعيالك الأربعة؟ نرمي نفسنا في الشارع عشان أخوك؟ ولا ننزح زنقة الكلاب في شقة أمك الضيقة، وعيالك يتسحب منهم دولابهم وأوضتهم عشان الهانم ترتاح؟ إنت متخيل إنك بتطلب مني أتنازل عن بيتي اللي شقينا فيه قرش قرش، عشان نتحول لشغالين عند أخوك ومراته؟"وفجأة.. طلع صوت حماتي تاني من على السلم، بس المرة دي كانت طالعة بنفسها!فتحت الباب ودخلت بوش مشدود، ولما لقتني واقفة وبحقق مع جوزي، بصتلي بغضب وقالت: * "إيه يا جهاد؟ الدوا فين؟ وإيه اللي موقفك تتوشوشي مع جوزك وأم محمود تعبانة فوق؟ "بصيت لها بثبات، وجوزي جه يتكلم، بس أنا رفعت إيدي وشاورلت له يسكت. قلت لها بمنتهى الهدوء والصلابة: * "الدوا جوزها ينزل يجيبه يا ماما.. أو هي تطلبه بالدليفري. وأنا مش نازلة أعمل أكل، ومش نازلة أنضف شقق، وأكتر من كده.. أنا طالعة ألم هدوم أم محمود من أوضة عيالي وارجعها مكانها!"حماتي عينها وسعت من الصدمة، وقالت بصوت طالع منه شرار: * "إنتِ اتجننتي يا بت إنتِ ولا إيه؟ ! إنتِ بتكسري كلامي قدام ابني؟ وبتتشرطي في بيت عيلتنا؟"رديت عليها وأنا بصيت في عينها مباشرة: * "ده مش بيت العيلة يا ماما.. الشقة دي شقتي أنا ومحمد، بفلوسنا وشقانا وتعبنا. وبيت أخو جوزي اللي بتقولي عليه ده.. لو هو أخوه، فدا مش معناه إن شقتي مستباحة. إنتِ ضحكتي عليا وقلتيلي كام يوم نفاس، وإنتوا مجهزين لقصة تعيش سنة وأكتر وتستولوا على بيتي وتخلوني خدامة عنده! "حماتي بصت لمحمد بنظرة كلها شحن وقالتله: * "شايف مراتك؟ شايف اللي طالعالها قرون وتتطاول عليا؟ ساكت لها يا محمد؟ قاطعها وقولها كلمة عدلة!"محمد وقف في النص، متكتف، بين أمه اللي بتضغط عليه بكروت العاطفة والأخوة، وبين مراته اللي حقها بيتاكل جهارًا نهارًا..بصيت لمحمد وقلت له الكلمة اللي قطعت الشك باليقين: * "محمد.. كلمة واحدة، يا إما المهازل دي تنتهي حالًا والأستاذ ومراته يقعدوا تحت مع أمك في شقتها وهي تخدمهم براحتها أو يشوفوا إيجار.. يا إما أنا هاخد عيالي الأربعة وأطلع على بيت أبويا، واللي بيننا هيبقى القضاء، وساعتها الشقة دي هتاخدها بالقانون عشان خاطر عيالك!"السكون حل في المكان، وحماتي وشها أصفر، وأم محمود طلعت من الأوضة على الصوت وهي مذهولة. .اللحظة دي كانت الفاصلة.. يا إما أبيع حق نفسي وأعيش شغالة في بيتي المسلوب، يا إما أقف وأحط حد للمهزلة دي مهما كانت العواقب!بصيت لحماتي ولجوزي بمنتهى القوة والجمود، وكملت كلامي بصوت واطي بس يرن في الصالة كلها زي الجرس: * "وعشان تبقوا عارفين.. اللعبة دي مش هتمشي عليا. أنا لو طلعت من الباب ده ورحت بيت أهلي وطلبت الطلاق، بكره الصبح هرفع دعوى تمكين من شقة الزوجية لأني حاضنة للأربع أطفال! وساعتها هترجعوا الشقة دي بالقانون ورجلكم فوق رقبتكم، وساعتها مش هتدخلوها تاني ولا كضيوف! فمن سكات كده، وبالمعروف ومن غير شوشرة.. الهانم تلم شنطها وتفضي شقتي، وتنزل تقعد معاكي تحت هنا في شقتك، أو يشوفوا لهم حل تاني!"الكلام نزل على حماتي زي الصاعقة.. وشها جاب ألوان، وعينيها كانت بتطلع شرار من الفكرة نفسها! لأنها عارفة كويس إن القانون في صف الأم الحاضنة، وإن تهديدي مش مجرد كلام في الهوا، ده كارت حاسم هيقلب الطاولة عليهم كلهم. أم محمود اللي كانت واقفة عند باب الأوضة بتسمع، رجليها الشايلة حملها ما بقتش شايلاها، وقالت بصوت مكسور ومصدوم: * "إيه الكلام ده؟! إنتِ بتطردينا يا جهاد؟ هو إحنا جايين نشحت منك ولا إيه؟ "رديت عليها وأنا بصلها في عينها بثبات: * "لا يا أم محمود، إنتوا مش جايين تشحتوا.. إنتوا جايين تستولوا على بيتي وتلغوا وجودي ووجود عيالي وتحولوني لخدامة في ملكي! ومحدش بيطرد حد.. دي شقة أختك وأمك أولى يخدموكي فيها، ولا عشان هما رفضوا يشيلوا الشيلة، جيتوا ترموا حِملكم عليا أنا؟ شقتي خط أحمر، ولا إنتِ ولا غيرك هيحط إيده فيها! "حماتي اتعصبت وقربت مني وهي بتزعق بصوت هز العمارة: * "إنتِ بتهددينا بالقانون في بيتنا ؟! عايزة تخربي بيت ابني وتفضحينا عشان شقة؟! ابني سيدك وسيد الكل ، ومحدش يلوِي دراعه هنا!"بصيت لمحمد اللي كان واقف زي المصدوم، وش أمه من ناحية وتهديدي الواقعي جداً من ناحية تانية..قلت له ونبرة صوتي كلها حسرة: * "سامع يا محمد؟ أُمك مستعدة تخرب بيتك وتضيع عيالك وتجرجرنا في المحاكم، بس المهم إن مرات أخوك ترتاح في شقتنا وأنا أتهان! اتكلم يا محمد.. حط حد للمهزلة دي، بدل ما القصة تخلص هنا حالا وبشكل مش هيعجب حد!"محمد بلع ريقه، وبص لأمه وبعدين بص لأخوه اللي كان طالع يجرى على السلم لما سمع الزعيق. دخل أخوه الصالة بوش مشدود وقال: * "في إيه؟ صَوتكم جايب آخر الشارع ليه؟! إيه اللي بيحصل هنا؟"حماتي صرخت: * "تعال شوف مرات أخوك يا حبيب أمك! طالعالنا بلسان طوله مترين، وتهددنا بالقضاء والطلاق وتطرد مراتك من الشقة!"أخو جوزي بصلي بغضب وكان حاطط إيده في جنبه وجاي يتكلم بعنجهية: * "إنتِ اتجننتي يا جهاد؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ دي شقة أخويا برضه! "هنا محمد اتنفض! وكأن الكلمة دي هي اللي صحّته من الغيبوبة اللي كان فيها!وقف محمد في وش أخوه، وزقه بعيد عني وقال بصوت جهوري أول مرة أسمعه منه: * "لأ يا محمود! مش شقتك! دي شقتي أنا وجهاد! شقتنا اللي طفحنا فيها الدم قرش قرش ورصينا فيها كل حاجة بتعبنا! مراتي عندها حق.. إنت جايب مراتك وعايز تقعد سنة على حس جهاد وعيالي، وتزنقنا تحت في أوضة وصالة، وتخلي مراتي خدامة عندكوا؟ لحد هنا وستوب!"حماتي صرخت بصدمة: * "محمد! إنت بتصرخ في وش أخوك عشان دي؟!"محمد لف لأمه وقال بنبرة ملยานة قهر وضغط: * "أيوه يا أمي! عشان دي مراتي وأم عيالي الأربعة! جهاد سكتت واستحملت كتير، بس إننا نلغي وجودها وناخد حقها عافية عشان أريح أخويا ومراته، يبقى أنا مش راجل! محمود.. انزل لم شنط مراتك وتنزلوا تحت عند أمي، المكان تحت يسعكم، وشقتي مش للبيع ولا للإيجار ولا للاستضافة!"أم محمود قعدت على الكنبة وهي بتعيط بحرقة وتقول: * "شفت يا محمود؟ شفت البهدلة اللي إحنا فيها؟ قلتلك بلاش نيجي هنا.. أهلي قفلوا الباب في وشي وهنا بيطردوني!"رديت عليها وأنا بلم شنطها اللي كانت جوه أوضة عيالي وبطلعها بنفسي للصالة: * "محدش بهدلك يا أم محمود. . البهدلة دي إنتِ وحماتي اللي رسمتوها ليا ولعيالي. شقة حماتك تحت واسعة تكفيكي، وعيلتك هي اللي تشيلك.. إنما بيتي وعيالي محدش يجي عليهم!"محمود بص لمحمد بصه كلها غل وقال: * "ماشية يا محمد.. تسلم يا ابن أبويا! بتبيع أخوك عشان كلمة من مراتك؟"محمد رد عليه بصلابة لأول مرة أشوفها فيه: * "أنا مبِعتش.. إنت اللي استخصرت تدفع إيجار وجاي على حساب بيتي وحرمة مراتي! انزلوا تحت والأكل والشرب عند أمي، لكن شقتي مقفولة عليا وعلى عيالي!"في خلال عشر دقائق، كانت الشنط كلها نازلة على السلم، وحماتي نازلة وراهم وهي بتدعي عليا وبتقول: * "ماشي يا جهاد.. والله ما هسيبهالك، والبيت ده مش هيعدي فيه يوم حلو بعد النهاردة!"قفلت باب شقتي وراهم.. وقفت ورقت ضهري على الباب..أنفاسي كانت سريعة، وقلبي بيموت من كتر الضغط والحرقة، بس جوايا راحة مش طبيعية.. بصيت لمحمد اللي كان قاعد على الكنبة وحاطط رأسه بين إيديه ومقهور..قربت منه، وقعدت جنبه وقعدت أهديه، لأن الحرب مع حماتي كده بدأت بجد، بس المرة دي.. أنا مش ضعيفة، وشقتي رجعتلي! قعدت جنب محمد على الكنبة، وحطيت إيدي على كتفه. كان بيتنفس بصعوبة وشكله مهدود من كمية الضغط والمواجهة اللي حصلت. لأول مرة يحس إنه يتحط بين نكث أمه وكلمة أخوه، وبين بيته وكرامة مراته وعياله. بصلي وهو بيفرك وجهه بكفوفه وقال بصوت مكسور: * "أنا حاسس إن دماغي هتتفجر يا جهاد.. أمي عمرها ما هتنسالي اللي حصل النهاردة، ومحمود مش هيعديهالي.. إنتِ عارفة أمي لما بتقلب، العيشة بتتحول لجهنم."رديت عليه بهدوء وثبات، وأنا بصة في عينيه بكل ثقة: * "يا محمد، اللي عملته النهاردة هو الصح الوحيد اللي كان لازم يتعمل من زمان. إنت ما ظلمتش حد، ولا طردت أخوك للشارع.. شقة أمك تحت مفتوحة لهم، وهي اللي دعتهم وهي اللي كانت عايزة تشيل شيلتهم. اللي كان هيحصل ده ما كانش جدعنة، ده كان استغلال وعصر لدمنا وتدمير لبيتنا ونفسية عيالنا. لو كنت وافقت النهاردة، كنت هتصحى بكره تلاقيهم استقروا للأبد، وأنا وإنت أرباب بيتنا بالاسم بس."سكت محمد شوية، وكأنه بيدور في كلامي على مبرر يريح ضميره قدام نفسه. تنفس ببطء وقال: * "بس كلامك عن الطلاق والقانون يا جهاد.. وجعني. إنتِ بجد كنتِ ممكن تعمليها؟"مسكت إيده وقلت له بصراحة من غير ما أجمّل الكلام: * "كنت هعملها لو لقيتك بايعني وجاي عليا مع المظلومية المزيفة دي يا محمد. البيت اللي ملوش راجل يحميه ويصون حرمة مراته وعياله، العيشة فيه بتبقى إهانة. بس إنت أثبتلي النهاردة إنك راجلي وإن بيتي له ظهر.. وأنا معك في أي حاجة بعد كده."الهدوء اللي كان في الشقة فوّقنا على صوت الزعيق والدبـ. دبة اللي جاية من تحت!حماتي كانت بتصرخ بصوت عالي جدًا تحت في الصالة، متعمدة إن صوتها يوصلنا فوق.. كانت بتشتكي لأي حد يكلمها في التليفون: * "تعالوا شوفوا اللي حصل في بيت المالح! مرات الابن تطردنا وتتشرط، والابن واقف زفـ. ت مبيفتحش بقه! بقى أنا ابني يترمي تحت ومراته الوالدة تتذل كده؟!"أم محمود كانت بتعيط وتندب، ومحمود أخو جوزي نازل طالع على السلم يرزع في الأبواب ويحضر في حاجتهم عشان ينزلها شقة أمه بالكامل. دخلت أوضة العيال، لقيت كراكيبهم وشنطهم كانت لسه ملخبطة مكان ما أم محمود فضت الدولاب. قعدت على الأرض أرجع هدوم ولادي مكانها، وأنا حاسة بانتصار مكتوم بس جواه غليان. . عارفة إن المهزلة ما انتهتش، وأن دي مجرد بداية لـ "حرب باردة" هتشنها حماتي عليا وعلى جوزي. ومرت ساعتين..الهدوء ساد البيت من تحت، بس هدوء يسبق العاصفة. فجأة، سمعنا خبط قوي ومتواصل على باب شقتنا!مش خبط حماتي ولا خبط محمود.. خبطة حد جاي ناوي على شر أو جاي يعمل قعدة عرب!محمد قام وقف بسرعة، وبصلي ونزل إيده على أكرة الباب وفتحه. .لقينا واقف على الباب.. أخت أم محمود وجوزها! ومعاهم حماتي واقفة وراهم وبتاكل في نفسها من الغيظ!أخت أم محمود دخلت خطوتين جوه العتبة من غير حتى ما تستأذن، وبصتلي أنا ومحمد بنظرة كلها تكبر وقالت بصوت مليان تحدي: * "إيه المهزلة اللي بتبلغنا بيها أختي دي؟! هو إحنا بنشحت منكم ولا إيه يا أستاذ محمد؟!"