نهاية الطمع

سيب شقتك لأخوك… وخد شقتي القديمة. جملة قالتها حماتي بكل برود، لكن بعدها بأيام جوزي قدام الناس بسبب ٢٠٠٠ جنيه.. يعني إيه مش موافق؟ الجملة خرجت من حماتي وهي باصة لجوزي بنظرة كلها استغراب، كأنها طلبت منه كوباية مية وهو رفض، مش بتطلب منه يتنازل عن شقة عمره كله راح فيها.
كنا قاعدين كلنا في الصالون بعد الغدا. الجو كان هادي، والكل بيشرب الشاي، وأنا فاكرة إننا قاعدين نتونس شوية قبل ما نمشي…لكن فجأة…

حماتي حطت كباية الشاي على الترابيزة وقالت بمنتهى الثقة
بص يا ابني… أخوك خلاص قرب يتجوز، وأنا فكرت في أحسن حل.
جوزي ابتسم وقال خير يا أمي؟
قالت وهي مبتسمة تسيب شقتك لأخوك يعيش فيها، وإنت تنزل تعيش في شقتي.
افتكرت في الأول إنها بتهزر..بصيت عليها واستنيت تضحك.
لكن مفيش ضحكة، ولا حتى ابتسامة…كانت بتتكلم بمنتهى الجدية…لفيت أبص لجوزي… لقيته هو كمان مستغرب.
قالها بهدوء يعني إيه يا أمي؟
ردت بسرعة يعني إيه! شقتك جاهزة وتشطيبها جديد وعفشها كله جديد. أخوك لسه هيبدأ حياته، يبقى يدخل على الجاهز. وإنت تنزل شقتي… هي موجودة وخلاص…
حكايات_مني_السيد
أنا سكت…بس جوايا كان في حاجة بتغلي…هي بتتكلم عن شقتنا كأنها أوضة زيادة في البيت، ولا كأننا بقالنا سنتين بنشطب

فيها قرش فوق قرش. افتكرت الأيام اللي كنا بنرجع فيها من الشغل مهدودين وننزل نشتري سيراميك…افتكرت لما بعنا دهبي عشان نكمل تمن المطبخ، وافتكرت جوزي وهو بيشتغل ساعات إضافية عشان يجيب تمن النجفة اللي كان نفسه فيها….كل ده…عشان في الآخر حد يقول بكل سهولة سيبها لأخوك.
جوزي أخد نفس طويل وقال يا أمي… مع احترامي… دي شقتي أنا ومراتي.
قالت وهي رافعة حاجبها وأخوك يبقى ينام في الشارع؟
قال لا طبعًا… بس يدور على شقة زينا ما إحنا دورنا.
حماتي اتنهدت بصوت عالي.
يا خسارة التربية.
أنا فضلت ساكتة…مش عايزة أدخل. لكنها بصتلي وقالت
وإنتِ ساكتة ليه؟ المفروض إنتِ أول واحدة تقولي ننزل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت بأدب
معلش يا طنط… بس إحنا تعبنا في الشقة دي أوي.
وشها اتغير.
يعني أخوه ما يستاهلش؟
قلت يستاهل كل خير… بس مش على حساب بيتنا.
هنا الكلمة وقعت عليها كأنها .
قامت من مكانها وقالت بصوت أعلى
بقى الدنيا مبقاش فيها خير كده؟
لا يا طنط… الخير موجود… بس كل واحد يحافظ على حقه…..قالت وهي بتبص لجوزي
والله كنت فاكرة إنك بنفسك هتقولي لأخوك خد الشقة.
جوزي رد بمنتهى الهدوء
لا يا أمي… لأن دي حياتي أنا.
القاعدة كلها اتقلبت….كل واحد بقى يبص للتاني، وأخو جوزي كان ساكت، حتى هو شكله كان مكسوف…لكن حماتي فضلت تعيد نفس الكلام زمان الإخوات كانوا بيفدوا بعض.
زمان كان اللي يتعب في حاجة يحتفظ بيها.
رد عليها جوزي….أنا حسيت بالفخر…أول مرة أحسه واقف ثابت بالشكل ده…لكن واضح إن حماتي ماعجبهاش.
قامت وقالت
خلاص… براحتكم… ربنا يهديكم.
وخلص اليوم على كده….افتكرت إن الموضوع انتهى.
لكن للأسف…ده كان أول الخيط بس…بعد كام يوم…
جوزي كان مديون لأخته بألفين جنيه…كان مستلفهم منها وقت ما العربية عطلت معاه، وقالها أول ما يقبض هيرجعهم.
لكن المرتب اتأخر.
وفجأة حصل ظرف، واضطر يصرف الفلوس في حاجة أهم.
فاتصل بيها وقال بكل ذوق
معلش يا أختي… اصبري عليا أسبوع بس.
قالت حاضر.
وقفل وهو مطمن….لكن تاني يوم…وإحنا قاعدين في بيت حماتي…دخلت أخته فجأة وهي صوتها عالي.
فين فلوسي؟
جوزي قام وقالها بهدوء
قلتلك أسبوع.
قالت بصوت سمعه كل اللي في البيت
أسبوع إيه؟ هو أنا بنك؟
أنا اتكسفت، وجوزي وشه احمر…قال وطي صوتك.
ردت لا… هعلي صوتي… اللي ياخد فلوس الناس يرجعها.
في اللحظة دي…حماتي بدل ما تهديها…قالت الجملة اللي عمرها ما هتخرج من دماغي…قالت
ما هي دي أخلاق اللي معهوش… يستلف وميرجعش.
حسيت إن الأرض بتميد بينا.
هو ابنها، وابنها عمره ما أكل حق حد…وكان طالب أسبوع بس…لكن قدام الناس…حولته لشخص . الناس كلها بصت علينا…وجوزي واقف ساكت…مش قادر ينطق.
وأنا لأول مرة أشوف الانكسار في عينه بالشكل ده.
طلع الفلوس اللي كانت في جيبه…مكنوش ألفين.
كان حوالي سبعمية جنيه.
مدهم لأخته وقال
خدي دول دلوقتي.
قالت وهي زقت إيده
أنا عايزة حقي كله.
وساعتها…جوزي لف ناحيتي…كانت نظرة عمره ما بصهالي قبل كده…نظرة كلها وجع…وكسرة…وكأنه أخيرًا فهم إن المشكلة عمرها ما كانت في الشقة…ولا في الألفين جنيه…
المشكلة كانت إن في ناس مهما عملت لهم… عمرهم ما هيشوفوك كفاية…لكن اللي حصل بعد خمس دقايق
أخته زقت إيده بالسبعمية جنيه، والفلوس وقعت على الأرض. المنظر كان يوجع القلب… الفلوس متطورة على السجاد، وجوزي واقف موطي راسه بيلمهم، وإيده كانت بترتعش. أنا في اللحظة دي حسيت بنار قايدة في صدري، الدنيا لفت بيا ومبقتش شطارة ولا أدب إني أفضّل ساكتة. الكسرة اللي شفتها في عين جوزي دَبّت في قلبي زي السكينة. حماتي كانت واقفة حاطة إيدها في جنبها، وباصة له بنظرة تشفي، كأنها بتقول له أهو ده ثمن الموحشة.. دوق بقى عشان تعرف إن كلامي هو اللي كان لازم يمشي.
قمت وقفت في وسط الصالون، وبصيت لأخته اللي كانت بتنهج من كتر العصبية المصطنعة، وقلت لها بصوت عالي وثابت هز البيت كله
جرى إيه يا شيماء؟ إيه الهيصة اللي أنتِ عاملاها على ألفين جنيه؟ ده أخوكي

الكبير! اللي لما كنتِ بتقعي في أي زنقة كان بيشيلك، هو إحنا أغراب ولا بناكل مال نبي؟
حماتي اتدخلت بسرعة وبصوت كله سم
جرى إيه يا مرات ابني؟ البت بتطلب حقها، ولا عشان مش عارفين تسدوا اللي عليكم هتعملوا علينا أسياد؟ اللي يعيش في شقة قصر وهو مش قَدّها، لازم يتدين ويبقى شكله وحش قدام الناس كده.
بصيت لحماتي ودموعي كانت هتفر من عيني بس حبستها، مش هبقى أنا وهو مكسورين في نفس الوقت. قلت لها
لا يا طنط، إحنا قد شقتنا وقد كلامنا. والألفين جنيه دول مش هما اللي هيكسروا جوزي، ولا هما اللي هيخلوكم تفرجوا علينا الناس.
فتحت شنطتي وطلعت منها الموبايل، وبصيت لجوزي اللي كان لسه واقف مذهول ومش ناطق، الصدمة في أمه وأخته كانت شالّاه تمامًا. كلمت واحدة صاحبتي وأنا واقفة قدامهم، وقلت لها صابرين، معلش حولي لي ألفين جنيه حالا فودافون كاش، وأنا هردّهم لك أول ما أنزل. صاحبتي مأخرتش ثانية، وفي أقل من دقيقتين الرسالة وصلت.
بصيت لشيماء وقلت لها ببرود شديد
ابعتي لي رقمك حالا، الفلوس وصلت اهي، ومباقش ليكي عندنا مليم واحد، وياريت تفتكري الموقف ده كويس عشان الأيام بتلف، والقرش بيروح ويجي، بس الأصول لو راحت مبترجعش.
شيماء وشهاجاب ألوان، وبصت لأمها كأنها بتستنجد بيها. حماتي اتفاجئت، مكنتش متوقعة إن الموقف يخلص بالسرعة دي، كانت فاكرة إنها هتذله بالفلوس لحد ما يوافق على الشقة. شيماء خدت الفلوس على موبايلها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأنا مسكت إيد جوزي اللي كانت تلتج من السقعة من كتر الزعل، وقلت له
يلا بينا يا حبيبي، إحنا مكاننا مش هنا.
خرجنا من البيت والجو كان ليل، الهوا بيخبط في وشنا بس مكنش قادر يبرد النار اللي جوة قلوبنا. طول الطريق في التاكسي جوزي منقش ولا كلمة. كان باصص من الشباك، وعينه مدمعة، بس بيحاول يخبي عني. أنا مكنتش عارفة أقول له إيه، الكسرة لما بتيجي من القريب بتبقى توجع أكتر من ضرب السكاكين. لو غريب اللي عمل كده كنت هقول مش مهم، لكن أمه؟ أمه اللي هانت ضي حيلتها قدام الناس عشان شقة؟
أول ما دخلنا شقتنا، الشقة اللي تعبنا فيها وشطبناها قرش قرش، جوزي قعد على أول كرسي في الصالون، وحط راسه بين إيديه وانفجر في البكاء. أنا عمري ما شفته بيعيط بالشكل ده، صوت شهقاته كان بيقطع في فروة راسي. قعدت على الأرض جنبه، ومسكت ركبه وقلت له
وحد الله يا مصطفى، فداك ألف جنيه وألف شقة، متعملش في نفسك كده يا حبيبي.
رفع راسهوبصلي وعينه حمرا دم
كسرتني يا منى… أمي كسرتني قدام الناس وجيراننا اللي متربي معاهم. أختي اللي كنت بشتري لها لبس العيد من مصروفي زمان، بتذلني عشان ألفين جنيه؟ أنا لو كنت طلبت منهم عمري مكنتش هبخل عليهم، ليه يعملوا فيا كده؟ عشان قُلت لأ؟ عشان مش عايز أسيب شقتي اللي طفحت الدم فيها؟
قلت له وأنا بطبطب عليه
عشان هما شايفين إن مالك وحياتك مش بتوعك، شايفين إنك لازم تضحي علطول وأنت ساكت. معلش يا مصطفى، الموقف ده عرفنا مين معانا ومين علينا. الشقة دي مش هتطلع منها، ودي خط أحمر، والقرشين اللي استلفناهم هيرجعوا لصاحبتي بككرة، وإحنا مش هنموت من الجوع.

مسح دموعه وحسيت بنبرة صوته اتغيرت، الكسرة بدأت تتحول لجمود وقسوة، وقال
من اليوم مش هيدخلوا بيتي، وأمي دي فوق راسي بس علاقتي بيها حدودها هتبقى مكالمة وسؤال من بعيد، هما ميرضيهمش إني أكون راجل وصاحب بيت، هما عايزينني دايما مكسور وتحت طوعهم.
فات يومين والبيت عندنا كان كأنه سرادق عزا، الجو مشحون، ومصطفى نزل شغله ورجع وهو ساكت، بس بيحاول يتماسك قدامي. أنا كنت حاسة إن الهدوء ده وراه عاصفة، وحماتي مش من النوع اللي هيسكت بعدما خطتها فشلت وفلوس شيماء اتردت في وشها.
وفي اليوم الثالث، العصر كده، الباب خبط. قمت فتحت، لقيت أحمد، أخو جوزي الصغير، اللي الشقة كانت عشانه. كان واقف ووشه في الأرض، باين عليه الإحراج والكسوف.
دخلت وقلت له اتفضل يا أحمد، ادخل.
مصطفى خرج من الأوضة لما سمع صوته، وبص له بنظرة جافة من غير أي ترحيب. أحمد قعد على طرف الكنبة ومكنش عارف يبدأ منين، فضل يفرك في إيده شوية وبعدين قال
أنا أسف يا أبيه… والله العظيم أنا ما كنت أعرف إن أمي وشيماء هيعملوا كده. أنا عرفت باللي حصل في موضوع الفلوس وجيت جري، أنا ميرضينيش إنك تتكسر بسببي، ولا يرضيني أخد شقتك.
مصطفى أخد نفس عميق وقال له
الشقة دي موضوع وقفلناه يا أحمد، ومظنش إنك جاي عشان الشقة بس. أمك بعتاك تقول إيه؟
أحمد بلع ريقه وقال بصوت واطي
أمي زعلانة ومقاطعة البيت، وبتقول إنك أختك ورميت لها الفلوس في وشها، والناس في الحتة عمالة تتكلم. وهي… هي بتقول إنها مش هتسامحك إلا لو جيت واعتذرت ليها وبست على إيدها، ورضيت باللي هي عايزاه بخصوص الجوازة.
مصطفى ضحك ضحكة كلها وجع وسخرية
أعتذر؟ أعتذر عشان في وسط بيتها؟ أعتذر عشان أختك زقت إيدي والفلوس اتطوحتعلى الأرض؟ روح لأمك يا أحمد،

وقول لها مصطفى بيقول لك شكراً على التربية، وأنا معنديش اعتذار لحد، واللي عايز يزعل يزعل.
أحمد حاول يتكلم ويهدي النفوس
يا أبيه طيب فكر، دي أمك برضه، والناس بتاكل وشنا في الشارع.
هنا أنا مقدرتش أسكت، وقلت له
والناس مكلتش وشكم ليه يا أحمد وأخوك عشان ألفين جنيه؟ فين كان شكلكم والناس بتتفرج عليه وهو بيتهموه إنه مبيعرّفش يرجع فلوس الناس؟ معلش يا أحمد، اللي يخاف على شكل الناس، يحترم ابن عيلته الأول.
أحمد قام وقف وهو حاسس إن مفيش فايدة من الكلام، بص لمصطفى وقال له
أنا ماشي يا أبيه، بس بجد أنا مليش ذنب في كل ده، وأنا مستحيل كنت هقبل أعيش في شقة أنت تعبت فيها.
لما أحمد خرج، مصطفى بصلي وقال
تفتكري الموضوع هيقف لحد هنا؟ أمي مش هتسكت، أنا عارفها لما بتعوز حاجة وتتحداها، بتعمل المستحيل عشان تكسر كلمة اللي قدامها.
قلت له بثقة
طول ما إحنا إيد واحدة ومفيش بينا فجوة، محدش هيقدر يكسرنا يا مصطفى. سيبها على الله.
مر أسبوع كامل، والوضع هدي ظاهرياً، ومصطفىبدأ يرجع لطبيعته شوية بشوية، وبدأنا نركز في شغلنا وحياتنا ونحاول ننسى . وفي يوم الجمعة، كنا قاعدين بنفطر وبنخطط هنقضي اليوم إزاي، وفجأة لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.
رديت، لقيت صوت راجل كبير ووقور بيقول لي
السلام عليكم، مدام منى معايا؟
قلت له أيوه يا فندم، مين معايا؟
قال أنا الحاج عبد العزيز، صاحب العمارة القديمة اللي فيها شقة والدة مصطفى.
قلبي انقبض فجأة، وحسيت بمصيبة جديدة جاية في الطريق. بصيت لمصطفى اللي كان باصص لي باستغراب، وقلت للحاج عبد العزيز
أهلاً وسهلاً يا حاج، خير في حاجة؟
الراجل سكت شوية وبعدين قال بنبرة كلها إحراج
والله يا بنتي أنا مكنتش عايز أكلمك أنتِ، بس والدة مصطفى قفلت تليفونها وأحمد مش بيقفل الخط في وشي. الشقة القديمة اللي تحت دي، حصل فيها تسريب مية رهيب من المواسير الداخلية، والمية دخلت على أساسات الدور اللي تحتها والسقف هيقع على الجيران، وأنا محتاج حد ييجي فوراً يفتح الشقة عشان نصلح الكارثة دي قبل ما نعمل محضر في القسم ونكسر الباب.
أنا هنا حسيت إنالدنيا اسودت في عيني. الشقة القديمة دي اللي حماتي كانت عايزانا ننزل نعيش فيها! الشقة اللي كانت بتقول عليها موجودة وخلاص ومفيش منها مشكلة.
قلت له حاضر يا حاج، ثواني ومصطفى هيكلمك.
قفلت الخط وبصيت لمصطفى، وشرحت له اللي حصل. مصطفى وشه اتغير وقام وقف بسرعة
تسريب إيه وسقف إيه؟ الشقة دي مقفولة بقالها سنة، وأمي كانت بتقولي إنها زي الفل ومش محتاجة غير وش نظافة!
نزلنا بسرعة وأخدنا تاكسي وطلعنا على العمارة القديمة. أول ما وصلنا، لقينا الجيران واقفين في الشارع والكل عمال يزعق ويصوت، وصاحب البيت واقف مستنينا. أول ما مصطفى فتح الباب… المنظر كان صدمة عمرنا ما تخيلناها..
الريحة كانت لا تطاق، والمية كانت مغرقة الخشب والعفش القديم كله، والحيطان مأكلة والرطوبة واصلة للسقف لدرجة إن المحارة كانت تقع على الأرض وإحنا واقفين. الشقة مكنتش محتاجة وش نظافة زي ما حماتي قالت… الشقة كانت عبارة عن خرابة منهارة تماماً ومحتاجة إحلال وتجديد يتكلف ألوف مؤلفة، والأساسات مهددة بالانهيار!
وفي وسط ما إحناواقفين مذهولين من حجم الكارثة والنصب اللي كنا هنقع فيه لو وافقنا، لقيت تليفون مصطفى بيرن… وبصينا على الشاشة لقينها… حماتي!
مصطفى فتح الخط وهو ايديه بترتعش وعينه على الحيطة اللي بتتشقق قدامه، وحماتي قالت بصوت كله برود مريب
إيه يا مصطفى؟ روحت الشقة القديمة ولا لسه؟ أهو ربنا كبير، والشقة باظت خالص عشان تعرف إنك لو كنت سمعت كلامي من الأول وجبت أخوك يعيش في شقتك الجديدة، كنا زماننا بعنا القديمة دي وخلصنا من قرفها… بس أنت اللي طماع، وأهو ربنا جاب حقي وحق أخوك منك!
مصطفى وقف متنح، ومبقاش عارف يرد يقول إيه، والصدمة الحقيقية كانت لما الجار اللي تحتنا دخل الشقة وهو ماسك في إيده ورقة رسمية وقال بصوت عالي قدام كل الجيران
المحضر ده معمول من شهرين يا مصطفى بيه! وأمك كانت عارفة إن الشقة فيها قرار تنكيس وإصلاح من الحي، ومخبية عليكم عشان تلبسوهالكم وتآخد شقتكم الجديدة ع الجاهز…
الدنيا لفت بيا، وبصيت لجوزي اللي حسيت إنه هيقع من طوله… لكن اللي حصل بعد كده كان أقوى من كل

. قرار تنكيس وإصلاح من الحي من شهرين! الجار كان واقف رافع الورقة الرسمية في وشنا، والناس كلها بتتفرج. مصطفى لسه التليفون في إيده، وصوت حماتي جايلنا منه وهي لسه بتتكلم بمنتهى البرود وتقول ألو.. ألو يا مصطفى؟ سكت ليه؟ ما تنطق!
مصطفى رفع الموبايل عند ودنه، وصوته خرج مخنوق، كأنه طالع من البير
أنتِ كنتِ عارفة يا أمي؟ كنتِ عارفة إن الشقة فيها قرار تنكيس من شهرين؟ وعايزاني آخد مراتي وأنزل أعيش في الخرابة دي عشان تقع فوق دماغنا، وتاخدي شقتي الجديدة تديها لأحمد ع الجاهز؟
الخط قطع فجأة… حماتي أول ما سمعت سيرة قرار الحي والمحضر، قفلت السكة في وشه علطول. الخوف من المواجهة خلاها تهرب، بس هروبها كان الإثبات الأكبر على إنها كانت رتبت كل حاجة بدم بارد.
الجار اللي تحتنا اتنهد وقال بصوت هادي شوية لما شاف وش مصطفى اللي بقا زي الأموات
يا ابني أنا أسف إني جرحتك بالكلام، بس أنا بقالي شهرين بترجى والدتك تفتح الشقة عشان نصلح قبل ما السقف يقع على عيالي، وهي كل مرة تقولي اصبر يا حاج عبد السميع، أسبوعين بالكتير ومصطفى ابني هيستلم الشقة وهيصلح كل حاجة على حسابه. أنا مكنتش أعرف إنها

مخبية عليك وموقعاك في الفخ ده.
مصطفى حط إيده على الحيطة عشان يسند طوله، الحيطة اللي كانت بتسرب مية ملوحة وبودرة المحارة بتقع منها. بص للراجل وبص للحاج عبد العزيز صاحب العمارة وقال
متتأسفش يا حاج عبد السميع… حقك تصرخ وتعمل محضر. المشكلة مش عندك أنت.. المشكلة عندي أنا اللي كنت مغمي عيني.
التفت لي، وعينه كانت مليانة نظرة مكسورة بس فيها قوة غريبة، قوة شخص أخيرًا فاق من غيبوبة طويلة. مسك إيدي وقال لي
يلا بينا من هنا يا منى. يا حاج عبد العزيز، شوف المقاول اللي هيصلح هيتكلف كام، وأنا هتحمل نصيب الشقة دي في الإصلاح، بس الباب ده يقفل ومحدش يكلمني في موضوع الشقة دي تاني.
رجعنا شقتنا، بس المرة دي مكنش فيه عياط ولا شهقات. مصطفى كان ساكت تمامًا، سكات يخوف. دخل الأوضة وغير هدومه وقعد في الصالون، باصص للنجفة اللي اشتغل ساعات إضافية عشان يجيبها، باصص للمطبخ اللي بعت دهبي عشان يكمل، باصص لكل ركن تعبنا فيه.
قعدت جنبه وقدمت له كوباية ليمون دافي، وقلت له
اشرب يا حبيبي، وروق دمك.. الحمد لله إن الحقيقة ظهرت بدري، ربنا نجانا يا مصطفى. لو كنا وافقنا ونزلنا، كنا زماننا بنصرف دم قلبنا على خرابة ومكنتش هتكفي، والحي كان هيخرجنا منها وكنت هتخسر شقتك وصحتك وفلوسك.
مصطفى أخد كوباية الليمون وحطها على الترابيزة من غير ما يشرب، وبصلي وقال
نجانا؟ الحمد لله طبعًا.. بس الوجع مش في الشقة يا منى. الوجع إن أمي كانت مستعدة تضحي بيا وبحياتي وسلامتك عشان أحمد. كانت مستعدة تلبسني مصيبة وتخليني مديون لطوب الأرض عشان أرمم شقة متهالكة، في سبيل إن أخويا يدخل شقة على المفتاح وميدفعش قرش واحد. أنا عندها إيه؟ أنا مش ابنها برضه؟
دمعة واحدة نزلت من عينه ومسحها بسرعة كأنه رافض الضعف ده تاني، وكمل
عرفتي بقا موضوع الألفين جنيه بتوع شيماء كان إيه؟ ده مكنش عشان الفلوس.. ده كان كارت إرهاب عشان أتكسر قدام الناس وأحس إني قليل ومستلف، فلما أمي تقولي انزل الشقة القديمة، أوافق وأنا موطي راسي وبقول حاضر يا أمي عشان تسترني.. كله كان متباع ومتخطط له.
حضنت إيده وقلت له
خلاص يا مصطفى، الدرس كان قاسي بس فوقنا. إحنا من اليوم مالناش دعوة بحد، شقتنا دي بيتنا وأماننا، والقرش اللي هيطلع من جيبك هيبقى لبيتك ولينا، واللي عايز يزعل يزعل.
مر يومين، ومصطفى مكلمش حد من أهله ولا هما اتصلوا. لحد ما جه يوم الأحد بالليل، والباب خبط بقوة وعصبية، كأن اللي بره عايز يكسره.
قمت أفتح، وأول ما فتحت لقيت حماتي وشيماء وأحمد واقفين على الباب. وش حماتي كان أحمر وعينها بتطلع شرار، دخلت من غير ما تستأذن وزقت الباب وراها.
مصطفى خرج من الصالون على الصوت، ووقف بثبات وقال
أهلاً يا أمي.. خطوة عزيزة.
حماتي زعقت بصوت هز جدران الشقة
بلا أهلاً بلا سهلاً! أنت روحت للحاج عبد السميع وعبد العزيز ووقعت بيني وبين الناس؟ بقى أمك في الحتة وتخلي اللي يسوى واللي ميسواش يقول عليا إننا بنصب عليك وعايزين نوقعك في شقة بايظة؟ دي آخرة تربيتي ليك يا مصطفى؟ تروح تطلع أمك وحشة قدام الغرب؟
مصطفى وقف حاطط إيده في جيبه، ورد بمنتهى البرود
وأنتِ مكنتيش وحشة وأنتِ بتخبي عليا قرار الحي بالتنكيس؟ مكنتيش وحشة وأنتِ عايزة تجيبيني من شقتي الجديدة اللي دافع فيها دم قلبي، عشان تقعديني في مكان مهدد بالانهيار عشان الباشا أحمد يدخل على الجاهز؟ أنتِ فكرتي فيا يا أمي وأنتِ بتعملي المحضر من شهرين وساكتة؟
شيماء اتدخلت وقالت بقلة أدب
جرى إيه يا مصطفى؟ ما تتكلم مع أمك بأدب! وبعدين الشقة مالها؟ ما هي زي الفل وعايشة فيها بقالك سنين، ولا الهانم مراتها هي اللي نفختك وخليتك تشوف نفسك علينا؟
بصيت لشيماء وقلت لها بصوت حاد
الهانم مراته
مابتنفخش حد يا شيماء، الهانم مراته وقفت جنبه وشالت معاه لما كنتِ أنتِ وأمك بتدوروا إزاي تكسروه وتذلوه بألفين جنيه. الشقة اللي بتقولي عليها زي الفل، المحكمة والحي قايلين إنها خطر على الحياة، بس طبعاً حياة مصطفى ومراته رخيصة عندكم، المهم أحمد يتجوز في العالي!
حماتي صرخت فيا
اخرسي أنتِ خالص وماتدخليش بيني وبين ابني!
وبصت لمصطفى وقالت
بص يا ابن بطني.. الشقة القديمة دي لازم تتصلح، والحي باعت إن الإصلاح لازم يبدأ الأسبوع ده وإلا هيبقى فيه حبس وغرامة وصاحب البيت هيقفل العمارة. أحمد معوش فلوس، وأنا معيش. أنت اللي هتدفع تمن التصليح والترميم، وده مش طلب.. ده فرض عليك، وإلا لا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين، وسامعني يا مصطفى.. هغضب عليك!
الكلمة دي هغضب عليك كانت دايماً السلاح اللي بتذل بيه مصطفى وتخليه يعمل أي حاجة وهي مغمضة. زمان كان بيترعب منها ويدوس على نفسه عشان يرضيها. بس المرة دي.. السحر انقلب على الساحر.
مصطفى بص لها لفترة طويلة، الصمت في الأوضة كان مرعب. أحمد أخوه كان واقف باصص في الأرض ومبيتكلمش، وشيماء مستنية مصطفى يتهز ويهبط زي كل مرة.
لكن مصطفى ابتسم.. ابتسامة باردة كلها وجع، وقال
اغضبي يا أمي.
الكلمة نزلت عليهم زي المية الساقعة. حماتي بلمت وبصت له وهي مش مصدقة ودنها
أنت بتقول إيه؟
مصطفى كمل بكلام زي الرصاص
بقولك اغضبي.. لو رضاكي عني معناه إني أكون مغفل، وأسلمك رقبتي وحياتي عشان تدوسوا عليها، يبقى أنا مش عايز الرضا ده. أنا عمري ما قصرت معاكي، ولا أكلت حق حد فيكم، وكنت بقطع من قوتي وقوت مراتي عشان أرضيكم. لكن توصل بيكم الدرجة إنكم تستغلوا طيبتي وعايزين ترموني في الموت وفي الديون عشان مصلحتكم؟ لأ لحد هنا وولاد مصطفى ماتوا.
أحمد اتكلم بسرعة يا أبيه بس الغرامة والحبس..
مصطفى قاطعه برفع إيده
الشقة دي مكتوبة باسم أمك يا أحمد، وهي اللي مأجراها، والمسؤولية عليها. أنا قُلت للحاج عبد العزيز إني هساهم بنصيبي بما يرضي الله كابن من الأبناء، لكن إني أشيل الليلة كلها وأصلح خرابة لوحدي عشان ترموني فيها بعد كده؟ ده في مشمش. اتفضلوا بره بيتي.
شيماء زعقت أمك وأختك يا مصطفى؟

مصطفى فتح باب الشقة على آخره وشاور بإيده لبره
اللي جايين يخربوا بيتي ويهدوا حياتي. اتفضلوا من غير مطرود، ورجليكم م تعتبش البيت ده تاني لحد ما تعرفوا قيمتي وتعرفوا يعني إيه أصول.
حماتي خرجت وهي بتدعي وتصوت وتقول يا خسارة شقايا فيك.. يا رب تشوفه في دنيتكوشيماء وراها بتبرطم، وأحمد خرج وهو بيبص لمصطفى بنظرة ندم وخزي.
قفلنا الباب وراهم، ومصطفى سِند ضهره على الباب وغمض عينه. رحت وقفت جنبه، مسكت إيده، لقيتها تلتج بس ثابتة. بصلي وقال
أنا كبرت يا منى.. كبرت أوي النهاردة.
قلت له أنت راجل وسيد الرجالة يا مصطفى، واليوم ده هو بداية حياتنا الحقيقية من غير غش ولا خداع.
عدى شهر كامل.. الشهر ده كان أهدى شهر عشناه في حياتنا. مصطفى ركز في شغله وجاب شغل إضافي بس المرة دي الفلوس كانت بتدخل بيتنا، شيلنا قرشين على جنب، وسددت الفلوس لصاحبتي صابرين، والحياة بدأت تبتسم لنا.. لحد ما في يوم، ومصطفى في الشغل، تليفوني رن.. المرة دي كانت شيماء أخته!
رديت باستغراب عايزه إيه يا شيماء؟
صوت شيماء مكنش فيه العياقة والشر بتاع زمان، صوتها كان بيموت من العياط والخوف، وقالت بكلام متقطع
الحقيني يا منى.. الحقيني وقولي لمصطفى.. أمي اتقبض عليها في القسم وأحمد اتمسك معاها والمقاول نصب عليهم والعمارة اتقفلت.. إحنا في مصيبة وملناش غير مصطفى…
الدنيا لفت بيا تاني، والمصيبة المرة دي كانت أكبر من مجرد شقة مهدومة… لكن اللي حصل في القسم والصدمة اللي مستنيانا هناك كانت فوق أي خيال ..
قفلت السكة مع شيماء وإيدي بترتعش، مش خوف عليهم، لكن من الصدمة. الناس دي مابتتعلمش أبدًا؟ كل ما يخرجوا من حفرة يقعوا في دحديرة، وفي الآخر مابيلاقوش غير مصطفى اللي كانوا عايزين يكسروه من كام أسبوع!
كلمت مصطفى في التليفون وحكيت له اللي شيماء قالته. سمعني وهو ساكت، أخد نفس طويل وقال لي جهزي نفسك يا منى، أنا جاي أخدك ونروح نشوف في إيه.. مش عشانهم، عشان ربنا ما يوقعناش في ضيقة، وعشان أقفل الصفحة دي معاهم وأنا عيني مليانة ومحدش ليه عندي فضل.
لبست ونزلنا، وطول الطريق للقسم مصطفى مكنش بيتكلم، بس نظرة عينه كانت مختلفة.. مكنش فيها الكسرة بتاعة زمان، كان فيها جمود ورزانة راجل عارف هو بيعمل إيه ومحدش يقدر يلوى دراعه تاني.
أول ما دخلنا القسم، لقينا شيماء قاعدة على جنب وبتعيط ومبهدلة، وأحمد واقف ووشه في الأرض وعينه حمرا من كتر الخزي. وحماتي.. حماتي اللي كانت بتدخل شقتي وتزعق وتهد الدنيا، كانت قاعدة على دكة خشب، وشها أصفر، وضهرها محني، كأن السنين كلها ظهرت عليها في لحظة واحدة.
أول ما شيماء شافت مصطفى، جريت عليه ومسكت في هدومه وهي بتعيط
الحقنا يا أبيه! المقاول اللي أمي جابته عشان يرمم الشقة من ورا الحي طلع ومعهوش ترخيص، وأخد الفلوسوهرب بعد ما هد حيطة زيادة والعمارة شرخت،

وصاحب البيت جاب الشرطة ومجلس المدينة وعملوا قضية مباني بدون ترخيص وتخريب منشأة، وحبسوا أمي وأحمد!
مصطفى زق إيدها بهدوء ووقار، وبص لأحمد وقال له
الكلام ده بجد يا أحمد؟
أحمد هز راسه وهو بيبكي
أيوه يا أبيه.. أمي مكنتش عايزة تدفع تمن الترميم الأصلي اللي الحي قال عليه، فراحت جابت مقاول من تحت السلم قالها هخلصك بمبلغ قليل ومن غير تراخيص، والنتيجة إننا لبسنا في حيطة سد، وصاحب العمارة مش عايز يتنازل إلا لو دفعنا تمن تلفيات العمارة كلها، وإحنا معندناش مليم.. من الشقة وقفلوا العمارة بالشمع الأحمر!
مصطفى سابهم وراح وقف قدام أمه. حماتي رفعت عينها وبصت له، كنت فاكرة إنها هتصرخ فيه أو تكابر، لكنها بكيت.. بكيت بصوت واطي وقالت
هتنقذني يا مصطفى؟ مش هتهون عليك أمك تبات في الحجز؟
مصطفى وطى لمستواها، وقال بنبرة هادية بس توجع
أنتِ هونت عليكِ حياتي وسلامتي يا أمي لما كنتِ عايزة تقعديني في الخرابة دي عشان تقع عليا أنا ومراتي؟ هونت عليكِ كرامتي لما خليتيأختي تبهدلني في وسط الصالون عشان ألفين جنيه؟
حماتي خفضت راسها ومقدرتش ترد. مصطفى التفت للمحامي اللي كان واقف مع صاحب البيت، وبدأ يتكلم معاه ويفهم أبعاد القضية. الموضوع كان كبير وفيه غرامات وتعهدات بالإصلاح الفوري على حسابهم تحت إشراف مهندس نقابي.
بعد ساعات من اللف والكلام والاتفاقات، مصطفى قدر يوصل لحل ودي.. هيدفع كفالة لإخلاء سبيلهم مؤقتًا، ويمضي على تعهد بصفته مهندس أو مسؤول بالتضامن لترميم التلفيات اللي حصلت، وصاحب البيت وافق يتنازل عن الشق الجنائي مقابل تعويض مالي للدور اللي تحتهم.
طلعنا من القسم، وحماتي وأولادها ماشيين ورا مصطفى كأنهم تلامذة وراه. مكنش حد فيهم قادر يرفع عينه في عينه. وقفنا في الشارع، ومصطفى التفت لهم وقال بصوت حاسم
الكفالة والتعويض اللي اتدفعوا دول، أنا دافعهم من شقايا وشغل برة دمي اتصفى فيه، ودول قرشين كنت شيلهم للزمن أنا ومراتي.. مش هقولكم ردّوهم لي لأن أنا عارف إنكم معندكمش حاجة تردوها. بس من النهاردة.. كل واحد فيكم في طريق.
حماتي مسكت إيده وهيبتعيط
يا ابني سامحني.. الشيطان عماني وكنت عايزة أستر أخوك الصغير وجيت عليك.
مصطفى سحب إيده بالراحة وقال
سترك لأخويا ميكنش بخراب بيتي يا أمي. أنا سامحتك لوجه الله عشان مشيلش غل في قلبي، وعشان مراتي تعيش مرتاحة ونضيفة من جوة. الشقة القديمة خلاص راحت وصاحب البيت هياخدها لأنها مبقتش تصلح للسكن، وأحمد يشوف له شقة إيجار جديد ويبدأ حياته زي ما كل الناس بتبدأ.. من الصفر. شقتي أنا ومراتي خط أحمر، ورجليكم مش هتعتبها إلا في المناسبات الرسمية وبأصول.. غير كده، كل واحد في حاله.
أحمد وطى على إيد مصطفى وباسها وهو بيقول
حقك عليا يا أبيه.. أنت سيد الرجالة وفوق راسنا كلنا.
وشيماء وقفت تعتذر وتعيط وتتأسف لي، بس أنا اكتفيت بابتسامة هادية.. الأعذار مابتمسحش الكسرة، بس الأيام بتعلم الواحد إزاي يحط حدود تحميه.
ركبوا تاكسي ومشيوا على بيت أختهم شيماء يقعدوا هناك مؤقتًا، ومصطفى أخدني في حضنه وإحنا واقفين مستنيين عربيتنا. بص في عيني وقال لي
تعبتك معايا يا منى..وشيلتك هموم م لكيش ذنب فيها.
مسكت إيده وقلت له
تعبك تعبي يا مصطفى، وإحنا مابنبيعش في أول محطة. المهم إننا خرجنا من المحنة دي وإحنا واقفين على رجلنا، وشقتنا فضلت لينا وأماننا زي ما هي.
رجعنا بيتنا.. شقتنا الجميلة اللي تشطيبها جديد وعفشها جديد، الشقة اللي كل ركن فيها شاهد على ضحكة وتعب ودموع. دخلنا وقفلنا الباب ورايا، وحسيت لأول مرة بإن الهوا جوة البيت بقى خفيف ونضيف.. مفيش مؤامرات، مفيش غل، مفيش طمع، ومفيش ناس بتبص للقمة اللي في إيدك وعايزة تآخدها منك بدم بارد.
مصطفى دخل وعمل كوبايتين شاي، وقعدنا في الصالون نتونس زي اليوم الأولاني.. بس المرة دي وإحنا مطمنين إن مفيش خيط تاني هيتجر، وإن الصفحة القديمة اتقفلت واتحرقت تمامًا. وبصينا لبعض وإحنا عارفين إن الأصول والحق دايماً بيكسبوا في الآخر، وإن اللي بيتقي الله في بيته وشريك حياته، ربنا بيقف معاه وبيضهر حقه وستر بيته قدام الدنيا كلها.
توتة توتة، خلصت الحدوتة.. بس حكايتنا في الحفاظ على بيتنا وحقنا لسه مستمرة كل يوم بالحب والأصول.
تمت بحمد الله
حكايات_مني_السيد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *