بنتي ٢

ودلوقتي، خد الفلوس دي، أول حاجة تعملها تعالج ابنك وتعمله العملية وتسدد كل الديون اللي عليك وعلى بيتك، وبعدها تبيع الشقة الضيقة دي وتضيف تمنها على باقي الفلوس، وتشتري شقة تانية كبيرة وواسعة نقعد فيها كلنا .
ابني استوعب الكلام بالعافية، وعيونه اتملت دموع ما قدرش يحبسها. اترمى في حضني وبكى بحرقة زي العيل الصغير، وهو يردد: “الله يسامحك يا أمي.. الله يسامحك، إنتي رديتيلي روحي وفتحيلي باب الأمل من جديد.”
طلعت مراته من المطبخ وهي مش مصدقة عيونها، الدموع ناشفة على خدودها والذهول مالي وشتها. قربت مني بخطوات خايفة ومترددة، مسكت إيدي وبستها وهي بتقول بصوت مخنوق:

“يا أم أحمد.. أنا والله ما زعلانة منك، ولا عمر شايل في قلبي ناحيتك، أنا بس كان ونفسي ابننا يتعالج ونستر بيتنا.”
مسكتها من إيدها وقعدتها جنبي، وبست راسها وقلت لها: “حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي العمى كان على عيني، وقسيت عليكي وظلمتك وأنتي الصاينة المصونة اللي شيلتي البيت في أشد أوقاته، ووفرتي من قوت عيالك عشان تستروا جوزك. من النهاردة إنتي بنتي الكبيرة، وحقك فوق رأسي.”
في نفس الليلة، نزل ابني يجري حجز للولد عند أكبر دكاترة للعملية، وسدد الدين لصاحبه اللي استلف منه، ودفعت العربون عشان نرجع التليفزيون اللي باعه.

مرت الأيام والولد دخل العملية وقام بالسلامة وزي الفل، والضحكة رجعت تنور البيت الصغير من تاني. وبدأ ابني يدور على شقة جديدة كبيرة وأنيقة توضبها حلو يليق بالخير اللي ربنا فتحها علينا بيه.
وفي يوم، وأحنا قاعدين بنلم في العفش عشان نعزل للشقة الجديدة الواسعة، رن تليفوني وكان سامح ابني الصغير..
فتحت الخط وسمعت صوته متوتر وبيقول: “أمي.. الحقيني، أنا والشقة اتزنقنا في مصاريف التشطيب والمهندس عاوز فلوس، والشركة اللي شغال فيها عملت هيكلة ومش عارف أقبض الشهر ده، إنتي معاكي أي حاجة تصرفيني بيها؟”

بصيت لولدي الكبير ومراته وأحفادي وهما بيضحكوا حواليا، وابتسمت بشرود وقلت له ببرود وراحة بال: “والله يا سامح يا ابني.. أنا معنديش فلوس للكركبة والتطفل، تصرف حالك زي ما قلتلي.. أنا دلوقتي قاعدة في وسط اللي صانوني ورعوني، والقرش اللي كان معايا راح للبيت اللي اتفتحلي بجد.”
قفلت السكة في وشه، وحطيت التليفون على جنب، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن قلبي مرتاح، وإن العدل والأصل هما اللي بيعيشوا في الآخر.
وبعد ما قفلت السكة في وش سامح، حسيت بإحساس غريب كان غايب عني من زمان.. إحساس بالراحة والسكينة إن الكفة اتعدلت.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *