حكايات زهرة الربيع ٢

وبعد فترة، انتهى زواجنا رسميًا.

حاولت أرجع القاهرة وأبدأ من جديد، لكن الظروف كانت أصعب مما توقعت. خسرت شغلي، وتراكمت عليّ الالتزامات، واضطريت أبيع حاجات كتير كنت فاكر إني مستحيل أستغنى عنها.

وفي الآخر، ما لقيتش قدامي غير البلد.

رجعت للبيت القديم بشنطة هدومي، من غير مظاهر ولا غرور.

البيت اللي كنت شايفه زمان قيد، بقى هو المكان الوحيد اللي أقدر أرجع له.

نزلت الشركة عشان أطلب فرصة شغل.

دخلت المبنى الكبير اللي منار أسسته، وقعدت في منطقة الانتظار.

الموظف قال لي:

“استنى لما الدكتورة منار تفضى.”

قعدت فترة طويلة.

ولما سمحت لي بالدخول، دخلت مكتبها.

كانت قاعدة وسط الملفات والمخططات وشهادات التقدير.

رفعت عينيها وقالت بهدوء:

“خير يا شريف؟”

قلت بصوت منخفض:

“أنا مهندس يا منار.. محتاج فرصة أشتغل وأبدأ من جديد. خسرت شغلي في القاهرة.”

سكتت لحظات، وبعدين قالت:

“الشغل هنا للناس اللي بتحافظ على اسم الشركة وتتحمل مسؤولية قراراتها. لكن لو عايز تبدأ من الصفر، عندي وظيفة مهندس موقع في مشروع جديد. المواعيد بدري، والشغل محتاج مجهود. تناسبك؟”

بصيت للأرض وقلت:

“تناسبني.”

ومن اليوم ده بدأت من جديد.

بقيت أشتغل تحت إدارتها، وأتعلم منها، وأراجع أخطائي كل يوم.

وكل صباح، وأنا واقف في الموقع وسط الشمس والتراب، كنت أفتكر منار وهي أصغر، وافتكر نظرتها وكلمتها:

“افتكر اليوم ده كويس.”

وفهمت أخيرًا إن أكبر خسارة مش إن الإنسان يخسر المال أو المنصب.

أكبر خسارة إنه يظلم إنسان بريء، وبعد سنين يكتشف إن الفرصة اللي ضيعها كانت هي أفضل شيء كان ممكن يحصل له.

ومنار ما احتاجتش مني.

هي بس كملت حياتها، واشتغلت على نفسها، ونجحت.

أما أنا، فكان لازم أتعلم الدرس بالطريقة الأصعب:

**الكرامة مش حاجة نقدر نكسرها عند غيرنا ونفتكر إننا هنفضل محتفظين بيها لنفسنا.**

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *