حكايات اماني السيد ٢

عدت الأيام والأسابيع وأنا عايشة في ، لا حس ولا خبر من ابني غير الفلوس اللي كانت بتنزلي في حسابي في البنك كل أول شهر، مع رسالة قصيرة على التليفون من رقم غريب مكتوب فيها: «المصروف نزل يا أمي، لو محتاجة أي طلبات للبيت قوليلي وأنا هبعتهالك مع الدليفري». كان بيبعتلي الفلوس كأنه بيدفع ضريبة أو بيقضي واجب فرض، من غير كلمة حنية واحدة، ولا يسأل عن صحتي، ولا يقولي «أزيك يا أمي».

كنت بطلع الصبح أرمي كيس زبالتي بنفسي في صندوق العمارة، وأنا متكتفة ومطأطأة الرأس. الجيران اللي كنت بجري وراهم بالصور، بقوا يتفادوا الكلام معايا، ولما أعدي من جنبهم في المدخل، السكوت يحل فجأة ويتبادلوا نظرات الشفقة والشماتة. أم أحمد اللي كانت بتهز راسها وتقولي «معلش يا ختي»، بقت لما تشوفني تأخد بعضها وتدخل شقتها وتقفل الباب بصوت عالي، وعرفت من بواب العمارة إنهم بقوا يسموني في الشارع «الست اللي طردت ابنها ».

كل يوم كنت بفتح شقة ابني اللي فوقي بالمفتاح الثاني اللي معايا، أدخل أشم التراب، وأبص على الحيطان العريانة اللي كان فيها العفش، والندم ياكل في قلبي. بقيت أقعد في نص الصالة الفاضية وأبكي بالدموع، وأقول لنفسي: «يا ريتني ما فتحت كيس، يا ريتني ما دخلت نفسي في أكلهم وشربهم، يا ريتها كانت أكلت دليفري كل يوم بالوفات ولا إن بيتي يتخرب وابني يبعد عني بالشكل ده».

في الشهر السابع من حمل مرات ابني، جالي خبر إنها تعبت فجأة ودخلت المستشفى بسبب ارتفاع شديد في ضغط الدم، والطباء بيحاولوا يسيطروا على الوضع عشان الجنين. الخبر جالي عن طريق أختي اللي عرفت بالصدفة من واحدة صاحبتها. الدم هرب من وشي، وجالي ذهول ورعب، حسيت إن دي فرصتي الأخيرة.. إني أروح وأرمي نفسي تحت رجليها ورجل ابنها وأتأسف، مش عشان كبريائي، لأ.. عشان خايفة الولد يجراله حاجة أو ابني يضيع مني للأبد.

غيرت هدومي وأنا إيدي بتترعش، وأخدت تاكسي وطرت على المستشفى. سألت في الاستقبال لحد ما عرفت رقم الأوضة. طلعت السلم وأنا قلبي بيلطش في صدري زي جرس الخطر. لما وصلت دور العناية والولادة، شفت ابني واقف في الممر، كان ساند راسه على الحيطة وبيضغط على عينيه بإيديه الاثنين، شكله كان يهد الحيل.. هدومه مش متوضبة، ووشه دبلان ودقنه طافية، وشايل هم الدنيا فوق كتافه.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *