حكايات اماني السيد ٢
وسكت ابني لحظة على الناحية الثانية من الخط، سكتة كانت أتقل من جبل حديد، وسمعت صوت نفسه المحبوس، قبل ما يكمل بكلام قطّع شغاف قلبي: «عايز أقولك يا أمي.. إن الروشتة اللي أنتِ مسكتيها من سبع شهور وقعدتِ تصرخي وتفضحينا عشانها وعشان ثمنها، كانت ثمن حياة الولد ده.. والدكتور قالي النهاردة إن ضعف بطانة الرحم اللي عندها كان محتاج العلاج ده بالضبط، وأنتِ لما فضحتينًا وطردتينا، قللتي فرص نجاته.. لو الولد ده جرى له حاجة، أنا مش بس هخسر مراتي.. أنا هخسر نفسي، وساعتها مش هعرف أبص في وشك تاني طول ما أنا حيي».
قفل الخط في وشي قبل ما ألحق أنطق بأي كلمة. التليفون من إيدي على السجادة، وحسيت إن الشقة بتدور بيا والأرض بتميد تحت رجلي. الساعات الـ 48 اللي قال عليهم ابني مروا عليا زي أربعين سنة في جهنم. كنت بصلّي وأبكي وأدعك وشي في التراب، أدعي ربنا يحفظ الولد، مش عشان خايفة من كلام الناس، ولا عشان كبريائي.. لأ، عشان عرفت إن حياة حفيدي هي الخيط الأخير والوحيد اللي فاضل بيني وبين ابني. لو الخيط ده اتقطع، ابني هيتمسح من حياتي للأبد.
في اليوم الثاني بالليل، ما قدرت أستحمل القعدة في البيت. قمت لبست طرحتي وجريت على المستشفى زي المجنونة. ما دخلتش الدور اللي فيه الأوضة، ولا تجرأت أطلع الممر.. قعدت على السلم الرخام البارد في الدور اللي تحته، ورا حيطة مدارية، كأني حرامية مستنية أي كلمة أو خبر. كنت بلمس السيراميك البارد بصلواتي وابتهالاتي، أسمع صوت خطوات الدكاترة أرتعش، وأسمع صوت أسانسير المستشفى قلبي يقف.
فضل الحال كده لحد فجر اليوم الثالث. سمعت صوت خطوات تقيلة نازلة على السلم، رفعت رأسي بخوف وشفت ابني نازل، كان ماسك إيصالات ودوا في إيده ورايح ناحية الصيدلية السفلية. شكله كان منتهي، عينيه حمرا زي الدم، ومش قادر يشيل طوله.
أول ما شافني قاعدة على درجات السلم بالمنظر ده، اتسمر في مكانه. بصلي باستغراب وذهول، وبعدين مشي ناحيتي بخطوات بطيئة وقافلة.
رفعت إيدي له وأنا بنتحب بصوت واطي وقلت: «يا بني.. والله ما قادرة أقعد في البيت، قاعد هنا تحت أقدامكم، ادعيلكم من قلبي.. طمني على أمانة ربنا، الولد عامل إيه؟».