حكايات اماني السيد ٢
ابني بصلي بنظرة طويلة، القسوة اللي كانت في عينيه ليلة إمبارح كانت اتبدلت بكسرة وحزن يهد الحجر. قعد على الدرجة اللي فوقي، وحط إيده على رأسه وقال بصوت خافت يرعب من الهدوء: «الولد عدى مرحلة الخطر يا أمي.. شالوا من عليه جهاز التنفس الاصطناعي من ساعة زمن بس، والدكاترة قالوا إنه هيعيش.. بس هيفضل في الحضانة أسبوعين كمان عشان وزنه قليل جداً».
شهقت بالبكاء وحمدت ربنا وأنا بحاول ألمس رجله وأبوسها من الفرحة، بس هو سحب رجله بهدوء، وقال: «ما تفرحيش قوي كده يا أمي.. لأن الخراب اللي زرعتيه لسه بنحصده كلنا».
رد وهو بيبص لبعيد، للحيطة العريانة قصاده: «مراتي صحيت من البنج، وأول حاجة عملتها إنها صرخت وأغمى عليها لما افتكرت إنها فقدت الولد.. ولما عرفت إنه عايش، حفت إنها مش هترجع معايا الشقة الأيجار حتى، وقالت لأبوها إنها عايشة في رعب مستمر.. متخيلة إنك ممكن تظهري في أي لحظة، أو إن الناس لسه بتتكلم عليها. حمايا خد قرار رسمي، وجابلي عقود شقة في المحافظة اللي ساكنين فيها أهلها، على بعد ساعتين من هنا.. وقالي: لو عايش مع بنتنا، هتاخدها وتعيشوا هناك، بعيد عن منطقتك وعن أمك وعن العمارة اللي اتفضحت فيها.. يا إما تسيبها في حالها وتطلقها».
الدم جمد في عروقي، وقلت بصوت بيترعش: «هتسافر تبعد ساعتين عني يا بني؟ هتبعد عن منطقتك وشغلك وأمك اللي ملهاش غيرك؟».
التفت لي وابتدت دموعه تنزل بصمت، وقال بنبرة هادية جداً بس تقطع الأحشاء: «أنا وافقت يا أمي.. وافقت عشان أحمي اللي فاضل من بيتي. حجزت الشقة هناك، ومقدم استقالتي من شغلي هنا ورايح أدور على شغل جديد في بلدهم. أنا بعت كل حاجة عشان أشتري راحة بال مراتي وأبني اللي كان حرمانهم هيقتلني. هبقى بعيد عنك ساعتين بالسكة، بس في الحقيقة أنا ببعد عن الذكرى اللي كسرتني قدام نفسي».
قام وقف، ونفض هدومه، وبصلي بصة أخير مليانة ألم وقال: «أنتِ اللي اخترتي العمارة والناس من الأول يا أمي.. أنتِ فضلتِ صور الزبالة وضحك الجيران على حرمة بيتك وسر ابنك. الشقة اللي أنتِ فيها ملكك، والمصروف هيوصلك كل شهر في ميعاده من غير نقص.. بس حياتي وشوفي لحفيدك، دي أوراق اتكتبت بعيد عنك. بكار هطلع أخد مراتي ونمشي، وما تجيش ورايا ولا تحاولي تتعرفي على مكاني الجديد، لأن مراتي لو شافتك، كل حاجة للمرة الأخير، وأنا المرة دي مش هستحمل».