بقلم زهرة الربيع

أول ما شافتنا، قامت بسرعة ومسحت إيديها في هدومها وقالت خير يا أخويا؟ في حاجة؟ جوزي قرب منها واعتذر لها، وحكى لها عن الورق، وإنه عرف الحقيقة كلها. مرام ابتسمت بحزن وقالت أنا ما كنتش بخبي عليكم حاجة، بس كنت خاېفة لو الفلوس ظهرت، الناس تفتكر إني مش محتاجة حد، وتبعد عن ولادي.

أنا مش عايزة فلوس وبس، أنا عايزة عيالي يحسوا إن ليهم عيلة، وإن أبوهم ما ماتش وسابهم لوحدهم. ما قدرتش أستحمل كلامها، ووقفت قدامها وقلت بصوت مبحوح سامحيني يا مرام… أنا ظلمتك، وكنت بغير منك لدرجة إني نسيت إنك إنسانة زيي، وإنك أم بتحاول تحمي ولادها.

أنا كنت فاكرة إني لما أذلك أبقى انتصرت عليكي، لكن الحقيقة إني كنت بصغر نفسي كل يوم. مرام فضلت باصة لي شوية، وبعدها قالت أنا مسامحاكي، بس نفسي تعرفي إن كرامة الإنسان مش حاجة نقدر ناخدها منه لمجرد إنه محتاج. أنا كنت محتاجة شغل، لكن عمري ما كنت محتاجة إهانة.

الكلمة دي فضلت ترن في ودني، وحسيت إني أصغر واحدة في الأوضة كلها. من اليوم ده، جوزي اتفق مع مرام إنها ما تشتغلش عندنا تاني، وإنه هيساعد ولاد أخوه في تعليمهم واحتياجاتهم من غير ما يحسسهم إنهم عبء على حد.

وأنا كمان بدأت أزورهم وأساعدهم، لكن المرة دي من غير ما أستنى شكر ولا أعايرهم بأي حاجة. ومع الوقت، علاقتي بمرام اتغيرت، وبقيت أشوف فيها مش الست اللي الناس بتقارنني بيها، لكن الست اللي قدرت تحافظ على كرامتها وهي في أصعب ظروف حياتها.

أما أنا، ففضلت أفتكر اليوم اللي كنت قاعدة فيه حاطة رجل على رجل، وبأمرها تمسح الأرض عند رجلي، وأقول لنفسي يا ترى كنت مستنية إيه من الدنيا غير إنها تدور عليا بنفس الطريقة؟! اتعلمت متأخر إن اللي بنهينه النهارده ممكن يكون هو نفسه اللي نتمنى رضاه بكرة، وإن الفقر مش عيب، لكن العيب إننا نستغل احتياج الناس عشان نحسسهم إنهم أقل مننا.

ومن يومها، كل ما أشوف حد محتاج، بفتكر مرام، وبفتكر إن ربنا ممكن يختبرنا بالنعمة قبل ما يختبرنا بالحرمان، وإن أصعب عقاپ للإنسان مش إنه يخسر فلوسه، لكن إنه يشوف نفسه على حقيقتها بعد فوات الأوان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *