حكايات روماني مكرم 1
— يا إبراهيم اسمعني… — تلعثم حسن وهو يحاول التراجع — الكمبيالة كانت هتحبسني… أنا كنت هرد الفلوس أول ما أبيع البيعة… والله العظيم كنت هردها! والبت دي كانت هتقولك إني استلفت منها فقلنا نعمل كده عشان ما تزعلش مني!
لم يكمل حسن كلمته.
اندفع إبراهيم كالمجنون، صرخة وحشية خرجت من أعماقه وهو يطباق بيطش على رقبة أخيه! سدّد له ضربة مدوية في وجهه أطارت حسن على الطاولة الخشبية لتنكسر تحت جسده، والفلوس تطايرت في أرجاء الصالة كالأوراق الخريفية!
صاحت الأم وولولت وهي تحاول سحب إبراهيم عن أخيه:
— لحقوني! هيقتل أخوه عشان خاطر الغريبة! حوشوا عنه يا ناس!
لكن محمود وسيد وقفا يحميان إبراهيم من تدخل الأم، ليدعاه يفرغ غضبه في الخائن الذي غدر به وبزوجته. ضرب إبراهيم أخاه بقسوة وحسرة، وهو يصرخ:
— أخويا؟ أنت أخويا؟ تبيع عرضي وشرفي وتتهمني في مراتي عشان عشرين ألف جنيه؟ تعمل فيا كده وأنا شقيان في الغربة عشان أعملكم قيمة؟
استمر الضارب والجر لعدة دقائق حتى أغمي على حسن تقريبًا والدم يسيل من أنفه وفمه. تنفس إبراهيم بصعوبة ووقف، وجسده كله يرتجف.
نظر إلى الفلوس المتناثرة على الأرض، ثم نظر إلى أمه التي كانت تجلس عند قدمي حسن تبكي وتلعن.
قال إبراهيم بصوت مكسور، خافض، لكنه يحمل نهايات لا رجعة فيها:
— أنتِ مش أمي… اللي تعمل في ابنها كده عشان تداري على سرقة ابنها التاني مش أم. اطلعوا برة بيتي… أنتِ وهو… اطلعوا برة ومش عايز أشوف وشكم لحد ما أموت!
رفعت الأم رأسها بذهول:
— بتطرد أمك يا إبراهيم؟ بتطرد اللي ربتك؟
— طردت اللي صاينتني وأمنتني على بيتي — قال إبراهيم وهو ينظر إليّ بدموع الندم القاتل — اطلعي برة يا أمي قبل ما أعمل حاجة أندم عليها بقية عمري!
سحبت الأم ابنها المصاب من دراعه وشداه للخارج وهو يئن من الألم، وخرجا يجران أذيال الخيبة والفضيعة في العمارة، وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا على السلم بعد سماع الفوضى.
خلت الصالة إلا مني، ومن أخي محمود، وسيد، والبواب، وإبراهيم الملقى على الأرض بين الفلوس المتناثرة، يبكي بأعلى صوته كطفل صغير فقد كل شيء في لحظة.
استدار إبراهيم وجثا على ركبتيه أمامي، وزحف نحو قدميّ، يحاول الإمساك ب طرف عباءتي والدموع تنزل مسكوبة من عينيه: