حكايات اماني السيد ١
أول ما الباب اتقفل، الشقة بقت فاضية وساكتة. التفت لابني وقلت له وأنا بحاول أداري التوتر: «سيبك منهم يا بني، دول ناس بيتلككوا، وبكرة لما تعرف قيمة القرش هي ترجع لك راكعة.. أنا بعمل كل ده لمصلحتك!».
ابني بصلي بعيون غريبة جداً، عينين ما فيهمش زعل ولا غضب، فيهم فراغ تام وقسوة عمره ما بصلي بيها. سحب مفاتيح عربيته وتليفونه من على الترابيزة، وقرب مني وقال بصوت هادي وبارد زي الثلج: «مصلحتي؟ أنتِ بيتي، قدام الناس اللي كنت بفتخر قدامهم بكرامتي. أنتِ خلتي الجيران يضحكوا عليا ويدوسوا على كرامة مراتي. أنا خارج دلوقتي يا أمي.. ومش راجع الشقة دي تاني غير لما أعرف إزاي أصلح الخراب اللي أنتِ عملتيه، وإذا كانت مراتي هترجعلي ولا أنا اللي خسرت كل حاجة بسببك».
خرج وسابني واقفة لوحدي في نص الصالة، صوت خطواته على السلم كان بيتردد في العمارة كلها، ومفيش في إيدي غير التليفون اللي عليه صور الزبالة، والهدوء القاتل اللي ملأ المكان.
عدت ليلتي الأولى لوحدي في الشقة، السكوت فيها كان يفرعن ، صوت دقات الساعة على الحيطة كان زي ضربات المطرقة في دماغي. التليفون ما رنش ولا رنة، لا ابني اتصل ولا حتى جارة من اللي كنت بفتكرهم حبيباتي نزلت تسأل عليا. طلعت بلكونة الصالة الصبح بدري، الشارع كان فاضي، بس أول ما أم أحمد وأم محمود جارات المحل اللي تحتي طلعوا ينشروا الغسيل، بصلهم وبدأت أهز راسي بابتسامة متعودة عليها، لقيتهم بيبصوا لبعض بضحكات مكتومة، واحدة منهم شاورات للتانية وقالت بصوت مسموع وصلني لحد فوق: «أهو الكنز طلع مش زبالة، طلعت حفيد وهدوم بيبي، ويا خسارة الصور اللي اتلمت في الألبوم!».
نزلت دماغي في الأرض ينقط من وشي، عرفت إن اللي كنت فاكراه شطارة ودليل مسكته على مرات ابني، بقى هو هو السلاح اللي الجيران يضحكوا بيه عليا وعلى خيبتي. كبريائي اتجرح، بس بدل ما أراجع نفسي، الشيطان كان لسه سايقني وقايل لي: «أنتِ صح، هما اللي مستقويين بأهلها وبكرة ييجوا ينبثوا إيدك عشان ترجعيها».
فات يومين وابني ما ظهرش، شقته فوقي مقفولة بالضبة والمفتاح، نوره مطفي والهدوء فيها يقطع القلب. في اليوم التالت، سمعت صوت خطوات تقيلة على السلم، جريت فتحت الباب وأنا فاكرة ابني راجع يترجاني أتدخل وأصلح الموضوع. بس الصدمة كانت لما لقيته داخل ومعاه اتنين عمال شايلين كراتين فاضية وشريط لزق عريض، وجنبه صاحب شركة نقل عفش.