حكايات اماني السيد ١

وقفت في وشهم على باب الشقة وقلت بصوت بيترعش: «إيه ده يا بني؟ جايب الناس دول يسووا إيه في شقتك؟ أنت هتغير العفش ولا إيه؟».

ابني ما بصليش حتى، كأني خيال مآتة واقف قدامه. وجه كلامه للعمال وقالهم: «ادخلوا افكوا غرفة النوم والصالون، ولموا الهدوم والمطبخ وكل حاجة تخصنا وشيلوها في العربيات اللي تحت».

جنيت، وقفت في نص السلم وزعقت: «أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! بتفضي شقتك؟ رايح فين وسايب أمك؟ بقى عشان حتة أكلة ودواء تبيع أمك وتروح تتسحب ورا مراتها وأهلها؟!».

التفت لي ابني وقام واقف قصادي، وشه كان شاحن وهالات سودة تحت عينيه تبين إن ما ذاقش النوم من يومها. قال لي بصوت جاف وخالي من أي مشاعر: «أنا مش رايح لأهل مراتي يا أمي.. أنا أتحرمت من مراتي وابني بسببك، وهي رافضة تبص في وشي أو ترجعلي طول ما بيتي لازق في بيتك وأسراري بتتفتش في الزبالة. أنا أأجرت شقة ثانية في أخر الدنيا، شقة بعيدة عن العمارة وبعيدة عن الجيران اللي فضحتيني قدامهم. هاخد عفشي ومتاعي وهعيش هناك لوحدي لحد ما أقدر أثبت لمراتي وأهلها إني راجل أقدر أحمي بيتي وخصوصيتي، وحتى لو ما رجعتليش، مش هعيش في المكان اللي اتكسرت فيه كرامتي».

العمال بدأوا ينزلوا العفش حتة حتة قدام عيون أهل العمارة كلهم. الجيران طلعوا على الشبابيك وفي المداخل يتفرجوا. أم أحمد نزلت تحت العمارة وحطت إيدها في جنبها وتبص على العفش وهو بيتأجر، وتتبادل النظرات مع أم محمود. أنا كنت واقفة على الباب شايفهم وهما بيتغامزوا عليا، حسيت بكسرة ونقص عمري ما حسيت بيهم في حياتي. كل صورة صورتها، وكل كلمة قولتها للستات دول، ردت في صدري زي الخنجر.

ابني أشرف على نقل كل حاجة، الشقة فوق بقت عريانة ومفيش فيها غير السيراميك والتراب. لما خلص، نزل الشنطة الأخيرة وقفل الباب وحط المفتاح في جيبه. حط إيده على أكرة بابي، فتكرت إنه هيسلم عليا أو يبوس رأسي، بس هو اكتفى إنه يبصلي بصة أخير فيها وداع تقيل وقال: «أنا هفضل أصرف عليكِ واجيبلك كل طلباتك يا أمي، مش هقصر في حقك المادي أبداً عشان ربنا.. بس بيتي وحياتي وسري، خلاص.. أنتِ خرجتِ برة منه للأسد. ما تدوريش عليا وما تسأليش عن مكاني، ولما حفيدك يتولد، هبقى أبعتلك خبر.. ده لو مراتي وافقت إنها تخليه يشوف العمارة دي أصلاً».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *