حكايات اماني السيد
في اللحظة دي، الدموع اللي حبستها طول اليوم نزلت، بس مكانتش دموع قهرة ولا ضعف، دي كانت دموع الغسيل.. كأن روحي بتتطهر من سنين الذل والسكوت اللي عشتهم. إخواتي مقعدوش، شمروا دراعاتهم وبدأوا يلموا معايا الكبايات المتكسرة وينضفوا الصالة، وبابا نزل قعد تحت على القهوة اللي قصاد العمارة عشان يضمن إن لا حسام ولا حد من أهله يهوب ناحية البيت.
تاني يوم على العصر، التليفونات مبطلتش رن. أبوه كلم بابا بصوت مكسور وبيتأسف وبيقسم إنه ميعرفش حاجة عن المهزلة دي، وعمه—أبو ميادة—كان هيموت من الغيظ والفضيحة، جه بنفسه هو وأبوه لحد بيت أهلي عشان يعتذروا لبابا ويبرروا إن بنتهم كانت مخدوعة ومكنتش تعرف إنه بيضايف بيها في شقة مراته.
بابا قعد قصادهم حاطط رجل على رجل، ومقبلش أي تبرير ولا كلمة طبطبة، وقالهم جملة واحدة قطعت عرق وسيحت دم: «ابنكم ملوش قعاد عندنا، وكرامة بنتي مش لعبة.. ورقة الطلاق تتكتب الليلة، وكل قرش وكل مليم في القايمة والمؤخر يتدفع كاش قبل ما المأذون يحط قلمه، وإلا قسمًا عظيمًا لا المحاكم تقفل بيوتكم كلها».
حسام جه مع المأذون بالليل زي الكلب المضروب، وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين أي راجل في القعدة، مضى على ورقة الطلاق وإيده بتترعش، ودفع كل قرش كان عليه وهو ساكت ومذلول قدام أبوه وعمه وإخواتي.
أول ما المأذون نطق كلمة «أنتِ طالق»، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. بصيت له وهو بيلم نفسه ويخرج مطرود من قعدة الرجالة، وقولت في سري: «اللي ترخص نفسها عشان مركب تمشي، بتغرق بيها.. والكرامة لما بتترد، بترجع تكسر عين اللي داس عليها». قفلت الباب وراهم، ورجعت شقتي النضيفة المعمرة، وأنا عارفة إن حياتي الحقيقية لسه بتبدأ النهاردة.
عدت الأيام اللي وراها وأنا حاسة إني في كابوس صحيت منه على جنة. الشقة اللي كانت خانقاني بقت مملكتي الحقيقية، نضفتها من أثرهم ومن ريحتهم، وبقيت بفتح الشبابيك أدخل الشمس والهوا اللي كانوا ممنوعين عني.
حسام حاول يبعت ناس واسطة، ويكلم بابا تمن آلاف مرة، ويبعت رسايل استعطاف إنه ندمان وإن الشيطان شاطر وإن “بيتي اتخرب وخسرت كل حاجة”. بس بابا كان رده واحد زي السيف: «اللي بيبيع مرة بيبيع ألف، وبنتي مش بضاعة ترد وتستبدل».