حكايات نورهان العشري١
. دي كانت بداية عُمر جديد.… بعد العصر بشهرين. المكتب كان هادي وواسع، وإضاءة الشمس الهادية دخلة من الشباك الكبير وشارعة على النيل. سيلين واقفة قدام مكتب محمود، ماسكة ملف قماشي جديد، ولابسة بدلة رسمية باللون الكحلي متفصلة بعناية، وعنيها فيها ثقة ولمعة نجاح ما كانتش موجودة أول يوم دخلت فيه الشركة.
محمود كان قاعد على كرسيه الجلدي، سند ذقنه على كف إيده، وبص لها بنظرة كلها فخر. على طرف المكتب، كانت فيه ورقة رسمية مطوية بخط واثق. محمود بابتسامة خفيفة: — يعني خلاص، كل أوراق الإدارات خلصت يا مديرة المكتب؟
سيلين فتحت الملف وحطت الورقة قدامه، وقالت بصوت هادئ ومستقر: — كله تمام يا بشمهندس.. الجدول مرتب، وتقرير الحسابات الأخير جاهز للمراجعة. محمود مد إيده سحب الورقة، بس بدل ما يبص فيها، مد إيده التانية وطلع من جيب بدله علبة صغيرة مخملية، وحطها جنب الملف على المكتب بهدوء.
سيلين بصت للعلبة، وقلبها دق بس مش خوف، دي دقة فرحة مستخبية بقالها سنين. رفعت عينيها لمحمود وقالت بصوت دافئ: — إيه ده يا محمود؟محمود وقف من مكانه، وقرب منها خطوة لحد ما وقف قدامها مباشرة، وقال بنبرة مليانة يقين: — دي مش هدية يا سيلين. .
دي قسيمة الأمان اللي كنت مستني أقدمها لك ولآدم بالطريقة الصح، بعد ما قفلنا آخر ورقة في المحكمة وقرار الطلاق بقى نهائي وباسمك، وبقت حياتكم ملككم لوحدكم. عيني سيلين دمعت، بس الدموع دي كانت مختلفة.. دموع راحة وارتواء. نزلت إيدها تلمس العلبة المفتوحة اللي كان فيها دبلة بسيطة وراقية.
محمود كمل بحنية وهو بيقرب أكتر: — سامح بقى صفحة مقطوعة من كتاب قديم.. وآدم بقى ابني بالحب والتربية. السؤال هنا يا سيلين.. تقبلي تبدأي معايا العيلة دي بجد؟ نبني بيت أساسه الأمان اللي مكنش موجود؟ سيلين رفعت وشها، وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها، وقالت بصوت ثابت: — موافقة يا محمود.
. لأني من أول يوم، من ساعة ما طلعت إيدي من تحت الكم وعرفتني، وأنا عرفت إني لقيت بيتي. محمود ابتسم، وشدها لحضنه بحرص ودفء، بينما النيل بره كان بيكمل جري كأنه بيبارك لقصة اتكتبت بالصبر وخلصت بالحب. تمت.………..
